هناك قناة تونسية مغمورة باسم "الحوار التونسي" (تقوم عادة بالبث على قناة "أكواريس" الايطالية كل يوم أحد و اربعاء لساعتين و أصبحت تبث على ما يبدو ساعة من الزمن على كامل أيام الأسبوع)... في الحقيقة القناة ليست إعلامية مهنية بالمعنى الحرفي للكلمة و لكنها تتبنى موقف سياسي محدد (و هذا حقها الكامل) فهي مملوكة من قبل شخصية سياسية تتبنى موقف "يساري معارض" (مقرب من محمد الشرفي وزير التربية السابق و الذي تم تعميده من قبل جريدة لوموند الفرنسية منذ سنوات بوصفه "زعيم المعارضة الديمقراطية" مما أثار الاستهجان من الكثيرين الذين يعتبرون الشرفي "شخصية انتهازية" متقلبة بامتياز) و لكنها أيضا تعتمد على مقدمين و مذيعين من أطياف مختلفة... و قد تابعت هذه القناة منذ فترة (فهي متوفرة على الانترنت من خلال موقع أكواريس) خاصة أن أصدقاء لي و زملاء سابقا في النضال الطلابي (لطفي الهمامي و إياد الدهماني) شاركوا في تقديم بعض البرامج فيها .... على كل حال أعتقد أن تقديما مثل هذا كان ضروريا في سياق التعليق على تقرير إخباري للقناة وجه إنتباهي اليه صديقنا كلاندستينو... التقرير بتاريخ 19 جويلية 2007 و هو متوفر على فيديو قوقل... ما لفت انتباهي هو الأسلوب الذي تم به تقديم المدونين التونسيين... حيث أن تاريخ التقرير يشير الى أن قرار القيام به كان بتأثير و على وقع يوم التدوين 1 جويلية... و كان مثيرا أن يتم تجاهل تقديم هذا اليوم و نسبة مشاركة المدونين التونسيين فيه و تقديم قائمة المدونات التونسية... يعني كأي تقرير إخباري مهني يرغب في التعرف الجدي على ظاهرة معينة مثل التدوين... لكن من الواضح أن التقرير غلبت عليه روح سياسوية محددة... شارك في التعليق في التقرير صديق قديم هو نصر الدين بن حديد و هو مدون بدوره (و هو صحفي بالمناسبة) و الذي عبر عن موقفه من عدم المشاركة في الأيام التدوينية لأن ذلك يعني "حصر" التعبير في هذه المواضيع (المغرب الكبير و حرية التعبير) في أوقات محددة... طبعا أحترم موقف نصر الدين و هو موقف مشابه لمواقف مدونين آخرين... لكن من البديهي حسب رأيي أن الأيام التدوينية لا يمكن لا عمليا و لا إجرائيا أن "تحصر" التدوين في هذه المواضيع في أيام محددة... على كل حال... أمر الآن للتعليق الذي أثار انتباهي و هو لمدون آخر (اسمه "الشورابي") و الذي اختارت قناة الحوار أخذ رأيه في المدونات التونسية و خاصة في يوم 1 جويلية.... حيث رأى أن هذا اليوم كان هناك مشكل في "التنسيق" و كان من المحبط أنه لم يقدم من الأدلة على ذلك سوى أنها لم تشمل مدونة سائق سيارة أجرة (لوواج من قابس)... كما خلص الى أنه لا توجد "حركة تدوينية" في تونس. معتبرا أن المدونات التونسية (هكذا في العام) لا تهتم بالشأن العام بل تهتم فقط بالشعر و الأدب.. ما لفت إنتباهي هنا أن هذا المدون لم يتطرق الى المشاركة الواسعة التي تمت بين المدونات التونسية في هذا اليوم ("حرية التعبير" في 1 جويلية و هو بالتأكيد ليس خاص لا بالأدب و لا بالشعر) و لا غيره (مثل يوم المغرب الكبير في 1 جوان)... و لا أدري هنا ما محل الحديث عن "قلة التنسيق" في الوقت الذي تمت فيه الدعوة لهذا اليوم على مدى ثلاثة أسابيع على منابر المدونات الموجودة على قائمة "تن-بلوقس" و هي القائمة التي تضم غالبية المدونات التونسية.... هل كان المطلوب القيام بـ"التنسيق" من خلال أطراف سياسية محددة حتى يمكن اعتباره "تسيقا جيدا"؟.... ثم ما ذا يعني الحديث عن "حركة تدوينية"؟ هل يعني ذلك "حركة" سياسية مونوليثية تتتصرف كأنها حزب افتراضي؟ في هذه الحالة فعلا لا توجد "حركة تدوينية" تونسية.... إن التقليل من الأيام التدوينية تحت عنوان "عدم وجود حركة تدوينية" و عدم اهتمام المدونات بالشأن العام (في الوقت الذي يعرف قائل هذا الكلام بتنظيم يومين من أجل المغرب الكبير و من أجل حرية التعبير) يشير الى تقييم سياسوي للمدونات التونسية غير مرتاح لاستقلاليتها... أقول ذلك خاصة و أني كنت لاحظت تعليقات لهذا المدون تركها في في بعض المدونات الصديقة مثل مدونتي سمسوم و كلاندستينو خلال التحضير ليوم التدوين من أجل حرية التعبير يوم 1 جويلية (أنظر تعليق باسم "سفيان" في آخر هذه التدوينة مثلا).. كان يدعو فيها لتوسيع دائرة الإعلام في اتجاه منابر مثل قناة الحوار و ربما في اتجاهات أخرى... و في الحقيقة هذه مقترحات كنا ناقشناها منذ البداية في المدونات التونسية عند التحضير ليوم 1 جويلية و اخترنا الاستقلالية و عدم تسييس هذا اليوم من خلال ترويجه في مواقع سياسية أيا كانت (و هذا ينطبق بالمناسبة على قناة الحوار المغمورة)... على كل حال لم يستجب أي من المدونين آنذاك لهذه الدعوة... لكن يبدو أن هذا المدون لم يستسغ أن يكون على هامش حركة تدوينية مستقلة من هذا النوع ... في الحقيقة كنت أتمنى على قناة مغمورة تشق طريقها في مشهد إعلامي كثير التشعب و الممنافسة أن تقدم صورة أكثر فاعلية عن "المعارضة الديمقراطية" (على فرض وجود "معارضة استبدادية")... و سيكون من مؤشرات التفاعل الواقعي و الهادف لخلق علاقات واسعة و متنوعة أن يتم التعامل مع ظاهرةالمدونات التونسية من خلال تقارير أكثر مهنية و حيادية... سيكون لمثل هذه الأطراف تأثيرا أقوى لو قدمت إعلاما مستقلا و حرفيا... و بالرغم من إيماني شخصيا بحق الجميع في إقامة الإعلام السياسي الذي يريده لكن لا أعتقد أنه ينقصنا في تونس الإعلام المسيس بقدر ما ينقصنا وجود الإعلام ذاته


عدد التعاليق: 6

    تعليق: gouverneur de Normalland ...  
    20 أكتوبر، 2007 8:32 م

    للتصديق لقولك أضيف أنني لاحظت عدة صور غير بريئة في هذا الريبورتاج مما يوحي الى محاولة تسيسه بشتى الطرق

    انظر الى ما اختاره المخرج من الصور للمدونات. كان اختياره غير بريء و ليس المقصود منه التعريف بالمدونات التونسية بل ركّز المخرج على تصوير بعض المواضيع في قلة من المدونات توحي بايديولوجيا يسارية.ه

    فلأضيف هنا ...ان من الصعب أن يكون أي كان دون خلفية في تصوّره كمخرج فبما أن الاخراج يتطلب التركيز على صورة من دون الصور الاخرى فيبقى دائما رهن ذوق و عقلية و فكر المخرج. ه


    تعليق: Tarek Kahlaoui ...  
    21 أكتوبر، 2007 9:19 م

    و الله آش بش نقولك يا حاكم النورمال لاند... الحقيقة القناة هذية أوضاعها المادية متواضعة و تعمل في ظروف صعبة حتى أنو بعض تجهيزاتها يتعرض للمصادرة حسب بيانات صحفييها... و بالتالي أنا ما نتصورش عندهم "مخرجين" بالمعنى التقنى للكلمة لكن رأيك في محلو من ناحية أنو عندهم "وجهة نظر" و بالتالي انتقاء غير اعتباطي للصور... مرة أخرى أنا مانيش نلوم فيهم على خاطرهم "صحافة مناضلة"... هذا حقهم و دور طبيعي نلقاوه في كل مجتمع... لكن أنا يظهرلي إلي فمة توازن ضروري بين الأجندة و الدور الإعلامي لكل وسيلة إعلام... و نحنا في تونس في حاجة أكيدة للتوازن هذا.. إلي الحقيقة مش موجود في القناة هذية


    تعليق: adib ...  
    22 أكتوبر، 2007 5:40 م

    je n'ai pas pu voir la video il parait indisponible, mais d'avance j'imagine la façon avec laquelle un media politique pourrai instrumentaliser un evennement citoyen.

    le probleme en Tunisie, c'est que peu importe que se soit le pouvoir ou la dessidence, ils n'arrivent pas a comprendre qu'il peut y avoir des mouvement citoyens non politisées!

    de plus en plus je vois que la bataille politique migre vers la blogosphere, chacn des deux parti essai de mettre ses pions et de recruter des blogeurs citoyens...c'est vraiment dommage...!


    تعليق: Tarek Kahlaoui ...  
    23 أكتوبر، 2007 12:18 م

    أديب بالضبط هذية مشكلة كبيرة بالنسبة للناس إلي تعودت تعمل السياسة في أطر تنظيمية معينة


    تعليق: Sami ben Gharbia ...  
    25 أكتوبر، 2007 9:20 ص

    أشاطر رأي طارق حول قناة الحوار و انحياز طاقم هذا البرنامج الذي تم اعداده بخصوص ظاهرة التدوين في تونس. هذا مع احترامي الكامل لما تقوم به قناة الحوار من دور إيجابي داخل المشهد الإعلامي التونسي

    أريد فقط أن أرد على أديب إذ لا أعتقد في هذا التبسط و كأن المسألة عبارة عن عملية إختراق منظم للمدونات التونسية تقوم بها "بيادق" قطبي المعادلة السياسية في تونس .

    أن ندون السياسة أو أن لا ندونها، هذا اختيار شخصي لا دخل للأحزاب فيه و لكل واحد منا الحق في اختيار الأسلوب الذي يريده لمدونته و تلك هي قوة ظاهرة التدوين. فلماذا نرى إذا فيمن يدون السياسة " بيدقا"

    ثم أنني لأستغرب من استعمال لفظ "مواطن" أو سيتوايان لوصف من ليس له قلما أو لونا سياسيا و كأن المواطنة في تونس هي حصرا "لا سياسية" أو لا تكون

    السياسة شرط للمواطنة إذ لا تستقيم الأخيرة إلا بتوفر الأولى

    و ليس باستطاعة اي أحد أن يوقف ما يسميه البعض " تسييس المدونات" التونسية إذ السياسة في صلب اهتمام المدونين بالشأن العام في تونس.

    رهان المدونة الغير متسيسة في تونس الذي حلم به البعض و جعله ممارسة يتم من خلالها إقصاء "المدونين المتسيسين" أو ما يطلق عليه البعض " ديسيدونس" ، رهان خاسر لم يصمد أمام توافد جيل جديد و واعد من المدونين الشبان الذين كسروا جدار الصمت الذي اتخذه "زعماء" و "منظري" المدونة التونسية الغير متسيسة صرحا.

    سرال أخير لأديب: لقد قلت أنك لم تستطع مشاهدة لفيديو على قوقل من تونس، هل يعني هذا أن الرابط محجوب؟


    تعليق: adib ...  
    28 أكتوبر، 2007 4:26 م

    ahla sami
    ça fait longtemps;)
    au fait, j'ai pu accedé a la video maintenant
    c'est vrai que mon commentaire est assez simpliste, je l'avoue, le probleme est beaucoup plus compliqué...



طارق الكحلاوي
نشأ طارق في أحد مدن الضواحي مدينة رادس الواقعة في الجمهورية التونسية. يشغل الآن موقع أستاذ في جامعة روتغرز (قسمي التاريخ و تاريخ الفن). تلقى طارق تكوينه الجامعي في جامعة تونس (كلية 9 أفريل، إجازة و دراسات معمقة في التاريخ و الآثار) و جامعة بنسلفانيا (رسالة دكتوارة في تاريخ الفن). و يعلق بانتظام على القضايا و الاوضاع العربية باللغتين العربية و الانجليزية في مواقع و صحف مثل "الجزيرة.نت" و "القدس العربي" و "الحياة" و "العرب نيوز" و "ميدل إيست أونلاين"، و يكتب عمودا أسبوعيا في جريدة "العرب" القطرية. يكتب أيضا في قضايا ثقافية و نظرية تخص الاسلام المعاصر في المجلة البيروتية "الآداب". و تمت استضافته للتعليق في قناة "الجزيرة الفضائية" و قناة 13 "بي بي أس" (نيويورك).

Tarek Kahlaoui
Tarek grew up in the suburban city of Rades in Tunisia. He is currently an Assistant Professor at Rutgers University (a joint position in the Art History and History departments). Tarek graduated from the University of Tunis (Bach. and DEA in history and archeology) and University of Pennsylvania (Ph.D. in history of art). Tarek also comments regularly in Arabic and English on Middle Eastern issues and politics in Aljazeera.net, Al-Quds Al-Arabi, Al-Hayat, Arab News, and Middle East Online, and writes a weekly column for the Qatari newspaper Al-Arab. He also writes on intellectual and theoretical issues related to contemporary Islam in the Lebanese magazine Al-Adab. He was also invited to comment in Al-Jazeera Channel, and in Channel 13 (PBS-New York).