أعتقد أن الظروف بدأت تنضج لقيام مبادرة شعبية (حقيقية و ليس شعاراتية) لمقاومة الحجب الالكتروني في تونس... أقول ذلك بالاعتماد على معطيين:

الأول هو اتساع حالة الحنق و التبرم من الحجب الالكتروني بما يمس قطاعات واسعة بما في ذلك الشباب "غير المسيس".. و يمكن تحسس ذلك خاصة من خلال منابر تفاعلية واسعة مثل صفحة "تونس" (في فايسبوك، أكبر صفحة تونسية تعد أكثر من 200 ألف عضو) بما في ذلك النقاشات الاخيرة التي تمت على هذه الصفحة فيما يخص هذا الموضوع
http://www.facebook.com/photo.php?pid=3775570&id=99328877514&ref=mf
و من الواضح أن في هذه النقاشات هناك مسألة أساسية بصدد التحقق و هو اقتناع بعض من مستعملي الانترنت أن الحل لا يكمن في إيجاد "بروكسي" بل في مبدأ حق التعبير و الابحار في الانترنت و مقاومة الحجب ذاته و محاولة محاصرته... هذا التحول البطيئ لكن المهم يجب الانتباه اليه و تعزيزه في رأيي

المعطى الثاني هو تكثف و اتساع سياسة الحجب خلال الاسابيع الأخيرة بنسق غير مسبوق ليشمل مواقع ذات شعبية و تمس ذات القطاعات المشار اليها أعلاه (أي الشباب "غير المسيس") بما في ذلك صفحة "تونس" المذكورة أعلاه و مواقع تقاسم الفيديو و مواقع اخبارية بالفرنسية واسعة الانتشار...

في هذا السياق "المرصد الافتراضي" و هي مبادرة ايجابية أسست بالأمس (من أجل تحديد/تحيين قائمة المواقع المحجوبة) من المؤمل أن تهدف إلى محاولة توحيد الجهود في هذا الاطار... اذ ليس من المفيد أن يقع تكرار هذه القوائم بشكل منفصل عن جهود سابقة
http://www.facebook.com/group.php?gid=118669994810664

الآن ماذا يجب/يمكن أن نفعل؟

التحدي الأساسي المطروح تونسيا هو الحاجة لتحول موضوع الحجب من مشكلة فردية إلى مشكلة جماعية.. اي من مشكلة تجد حلها في البروكسي إلى مشكلة تستوجب احتجاجا جماعيا يحقق ضغطا على جهاز الحجب و من ثمة البدئ في مسار تحرير الانترنت من الحجب غير القانوني و المؤسساتي

كنت أطرت هذا الموضوع في السياق التونسي سابقا
http://www.facebook.com/notes/tarek-rq-kahlaoui-lklwy/mqtrt-lltqdm-mly-fy-mwjh-w-ljb-llktrwny/402664910801
و أهم نقطة هي موضوع سرية جهاز الحجب و بالتالي امكانية تهربه من أي افعال تعتبر تعديا على مبادئ الدستور و القانون و خاصة مبدأ حرية التعبير... إذ هناك توزازن ضروري في رأيي يجب التشبث به و هو أن مقاومة الحجب السياسي و غير المؤسسساتي يجب أن تكون مترافقة مع الاقرار بضرورة وجود حجب معقلن... إذ في تونس نحن في مرحلة عقلنة الحجب

من أشد المهام الملحة الآن هو أن يشعر مستعمل الانترنت بأن هناك وسائل قانونية و سلمية و مواطنية لمقاومة هذا الحجب و خاصة بأن يشعر بحالة تضامن جماعي في هذا السياق.. و هنا نحن لسنا إزاء موضوع مقاومة الحجب فحسب بل إزاء معضلة التأسيس لمبادرات مواطنية سلمية و جدية تعطي الثقة لدى الناس في أهمية التحرك الجماعي

و على هذا الأساس فالهدف من اي مقترحات عملية يجب أن يستهدف أساسا التأسيس لهذه الثقة من خلال مبادرات بسيطة و لكن مؤثرة بقياس ظروف هذه المرحلة...

كنت طرحت بعض هذه المقترحات أكررها هنا
//
الخطوة الأولى
بدء حملة لوضع العنوان الالكتروني لوكالة الانترنت التونسية و رقم هاتفها و حث مستعملي الانترنت للاتصال بهم بهدف المطالبة بالكشف على الشخص (أو مجموع الاشخاص) المكلفة بالحجب في السرية بشكل معادي للدستور و لقوانين الجمهورية بما يجعلهم خارج القانون..

الخطوة الثانية
عريضة.. و نقوم بوضعها في مدونة خاصة تعنى بتنظيم الأنشطة حول هذا الموضوع

الخطوة الثالثة
تشكيل لجنة لا تدعي الحديث باسم مستعملي الانترنت لكنها تقوم بتنظيم المتضررين من الحجب الالكتروني...

الخطوة الرابعة
و هي خطوة تستهدف تتويج الخطوات الثلاث بعد خلق حالة من الحشد و التركيم
رفع قضية تضم عددا محترما من الأفراد و لا تستهدف الفرقعة الاعلامية فحسب بل إعداد ملف قانوني جدي حول الموضوع...

هذه الخطوات المتصاعدة يجب أن تكون مترافقة مع حملة متواصلة في المنابر الاعلامية التقليدية
//

و أضيف إلى هذه المقترحات مقترحا أراه مهما للغاية و يجعل أي مبادرة لمقاومة الحجب ليس موضوعا افتراضيا فحسب بل موضوعا يتجاوز المجال الافتراضي... أقترح إيجاد شعار مبسط محدد مرئيا يمكن رسمه باليد... و أن يخرج هذا الشعار إلى الشارع بأشكال بسيطة.. على القمصان أو أي اشكال أخرى نترك ظروف إبداعها لكل شخص... تركيز مقاومة الحجب في شعار مرئي مبسط مهم للغاية كأحد الطرق لجعل هذه المقاومة ذات طابع شعبي/شبابي سلمي مبسط... و لما لا نرى هذه الرموز المبسطة مثلا في مدارج ملاعب الكرة أو في مدارج مهرجانات غنائية.. إلى غير ذلك من المجالات التي تتيح رواجا أكبر و ظهورا مستمرا في المجال البصري العام

في كل الأحوال من الضروري و من الملح عدم التراخي في الظروف الراهنة و الاستفادة منها لتحسين وسائل مقاومة الحجب.. أعتقد من الضروري في هذا السياق الانخراط في كل النقاشات المطروحة في الانترنت التونسي لأجل هذا الهدف




لا يوجد أي تعليق


مداخلة قصيرة في 19 افريل في قناة "الحوار" اللندنية حول مذكرة غيتس from TK TK on Vimeo.

مذكرة غيتس التي سربتها "نيويورك تايمز" آخر الأسبوع
http://www.nytimes.com/2010/04/18/world/middleeast/18iran.html
تصريحات مايك مولين آخر الاسبوع أيضا في منتدى في جامعة كولومبيا
http://www.wired.com/dangerroom/2010/04/mullen-please-for-the-love-of-god-dont-attack-iran



لا يوجد أي تعليق


منذ بدء صراع "المبيدات" الفايسبوكية كتبت على صفحتي على فايسبوك منددا بعقلية "الابادة" (في شكلها الافتراضي عبر إبادة البروفايلات في فايسبوك من خلال استغلال صيغ فاسيبوك التي تتيح ذلك) و استبطان الاستبداد.. الاستبدادين معا و بدون استثناء: واحد باسم "محاربة التطرف العلماني" و في الواقع باسم محاربة أي شكل من الاختلاف مع الدين بما في ذلك أي شخص ملحد أو لا ديني حتى إن عبر عن هذا الاختلاف بشكل هادئ و دون شتائم و خاصة بدون نزعة اسلاموفوبية شعبوية



بل امتد الأمر إلى استهداف بروفايلات لأشخاص (بما في ذلك مدونين) لم يناقشو هذا الموضوع أصلا و ربما لمجرد صداقتهم مع أشخاص (مدونين) آخرين... و تم في هذا السياق استهداف مدونين أختلف معهم في عدد من المسائل لكن لا يمكن لي إتهامهم بمثل الاتهامات التي وجهت اليهم مثل "أرابستا" و المدونة "عمشة" بل امتد الأمر إلى المدونة "مغرمة" و المدون "زاد" الذين لا أذكر تعرضها لموضوع الدين أصلا

و الآخر باسم "محاربة التطرف الديني" و في الواقع باسم محاربة الدين ذاته تحت عنوان "محاربة التخونيج"... إذ لم يقع فقط استهداف أشخاص (و كذلك مدونين) لا يمكن أن نطلق عليهم صفة "الاسلام السياسي" (المتطرف فيه و المعتدل.. و هذا موضوع آخر سأتعرض إليه أسفله إذ البعض مازال يعتبر أن مجرد كون شخص "اسلامي" فهو يستحق "الابادة" و ليس الافتراضية فقط) بل أيضا تم استهداف أشخاص لمجرد تعبيرهم عن خطاب متدين.. ينطبق ذلك مثلا على المدونين "هذا أنا" و "على الحيط"... بما يعني أن عبارة "التخونيج" المستعملة تشمل كل من يعبر عن رؤية دينية للعالم بما في ذلك للشأن السياسي و هي حالة تشمل طيف واسع ربما هو غالبية الشعب التونسي.. و يعكس رؤية اسلاموفوبية ليست من استنتاجاتي لكن اعترف بها المشرف على المجموعة



صحيح أن بروفايلات و لغة هؤلاء تشير إلى أننا بصدد شباب ربما دفع به الحماس و الصراع المشخصن إلى مثل هذا الخطاب المتوتر.. لكن ذلك ليس مبررا للصمت و التهوين من الموضوع.. و حتى لو افترضما أن ذلك سيقتصر على مجرد صراع "ابادة" بروفايلات.. و لكن الأمر لا يقتصر على ذلك.. و أعتقد (بعكس الكثيرين الذين كتبوا على الأمر) الأخطر ليس فيما ذكر أعلاه بل فيما يتعداه

الأخطر و الأهم و ما لا يجب أن يمر في صمت انخراط الفريقين (الفريقين دون استثناء) بالتحديد و بشكل منسجم كأننا بصدد أناس يحملون نفس الأجندة السياسية في التقرب و التزلف للسطة السياسية في تونس من خلال اعتبار ما يقومون به عمل تطوعي للدفاع عن السلطة في تونس... الفريق الأول يتقرب من خلال ترديد نفس الخطاب الخشبي حول "تشويه صورة تونس في الخارج" لمجرد نقد سياسات النظام السياسي... و هنا أبرز و أوضح مثال هو ما قيل في المدون "زاد"



و في المقابل نجد ثقة أكبر و اقبالا أوضح لدى الفريق الآخر الذي وصل حتى تحديد الأسماء و الحديث بشكل واضح على الرغبة في العمل كمخبرين بل و تقديم أسماء و أرقام هاتف من يريدون استهدافهم.. إذ يبدو بالنسبة لهؤلاء إصرار أكبر على التنسيق "الأمني"... و تحويل عملية "ابادة" بروفايل عبر استخدام متحيل لقوانين الاستعمال الخاصة بموقع "فاسيبوك" و ليس عبر القرصنة إلى جريمة تستوجب السجن و الملاحقة.. و من الواضح أن التهمة بالنسبة لهؤلاء هي ببساطة "التخونيج" بكل أبعاده السياسية و الدينية...





المشكل و المفارقة هنا أن هناك فعلا ملاحقة قائمة الذات و على قدم و ساق لما يسمى بـ"الخوانجية" (و هو مصطلح اتخذ بعدا أمنيا تعويميا و ساتطاع النفاذ لمخيلة العامة في تونس) سواء في فترة التسعينات (حركة "النهضة") أو الآن ("التيار السلفي") و هي ملاحقة مؤسسة على خلفيات سياسية و فكرية.. و هي ليست معزولة عن التوجه العام لأداء السلطة السياسية القائمة على استبعاد المخالف السياسي... و لو أن غالب الملاحقات مركزة على هذا التيار.. و بمعنى آخر فإنه و برغم مرور كل هذه التجارب التي أكدت أن الصمت على محاولة "استئصال" (بالمناسبة تعبير "استئصال" ورد فعلا في كلام المجموعة الثانية و للمفارقة ورد عند البعض للدفاع فقط عن المستهدفين من المجموعة الأولى) التيار الاسلامي اقترن عمليا مع استئصال العملية السياسية في تونس برمتها.. و المصيبة أن هذه الرؤية مازالت متواصلة ليس لدى بعض "شيوخ السياسة" (ممن لا يهمنا كثيرا أمرهم) بل أيضا لدى شبيبة ناشئة تتطوع للقيام بدور المخبر مثل أعضاء "لجان الأحياء" في فترة ما و لو على مستوى افتراضي...

حان الوقت للبعض مما يسمى "التنويريين" لتحديد موقفهم بوضوح من موضوع التعبير السياسي و الملاحقة الأمنية للاسلاميين على خلفيات فكرية و سياسية.. و كل من يصمت و يشمت و يرتاح لأي ممارسة بوليسية من هذا النوع تحت عنوان الاختلاف هو في النهاية منافق و انتهازي و استبدادي في جبة "تنويرية".. مهما أثث خطابه بشعارات مكثفة حول "التنوير" و "الديمقراطية" و "التقدمية"... و الأهم من كل ذلك لا تشير التجربة إلى أن السلطة استعملت بعض هؤلاء كمكنسة رمت بها متى استنفدت دورها بل أيضا أن حتى هذا الدور لم يعد مطروحا بما أن السلطة ترغب هي أيضا في مزيد تكريس خطابها الديني لغاياتها السياسية و بهذا المعنى لن تكون مرتاحة كما جرت العادة للعب على خطاب يمكن أن يفهم منه "عداء للدين" من العامة... و بالتالي لم يعد من الممكن استنساخ تجربة التسعينات "الاستئصالية" حتى لو رغب هؤلاء في ذلك

إن ذلك يشير أولا إلى أن فيما يخص موضوع الاستبداد عموما و الحجب بشكل خاص المسألة السياسية ليست "بسيطة" بل هي دائما حاضرة و هي مظلة فعلية لما يحدث حتى بالغياب أحيانا و عمليا هي المسألة الأصعب خاصة في السياق التونسي حيث يتلعثم معظم أفراد شعبنا قبل الانخراط في أي نقد كان، حتى أبسطه، تجاه السلطة.. في حين أن المواضيع الأخرى التي تحظى بنقاشاات ماراطونية بما في ذلك المواضيع المتعلقة بالدين، نجد إقبالا خاصا عليها بما في ذلك في البلوقوسفير التونسي... و هي فعليا أكثر "مسكوت عنه".. إذ ينقد الجميع السلطة فقط عبر وسائطها بما في ذلك كرة القدم

إن ما يجري الآن هو ما حاول البعض الدفع به في الحقل السياسي و يقع الدفع به من حين لآخر منذ حقبة التسعينات في المجالات التي تشهد نقاشا عاما بما في ذلك في المجال المحدود و السطحي أحيانا كثيرة أي البلوقسفير التونسي... و هو محاولة استبدال النقاش السياسي و بالتحديد النقاش حول أداء السلطة السياسية في تونس بالتركيز على نقاشات أخرى و خاصة منها التي تجعل السلطة بعيدة عن مرمى السجال... إذ يقوم البهض بالتركيز على كل سلطة (الدين خاصة و غيره) في مقابل تجنب الحديث عن السلطة اللأأكثر واقعية و المحددة لأغلب مسارات الصراع الواقعي أي السلطة السياسية... تلك هي ببساطة الحقيقة الأكثر "مسكوت عنها" في السياق التونسي و مدوني الفايسبوك و البلوقوسفير التونسي جزء من ذلك و ليسوا استثناءا... و طبعا الدافع الرئيسي لانسياق الكثيرين حتى من شبيبة اليوم في هذا التوجه هو استمرار رهبة التونسيين و الشباب منهم خاصة من الانخراط في نقاش الشأن السياسي.. مقابل اقبلاهم حتى على "الاستشهاد" من أجل بطولة تونس لكرة القدم، مثلما سمعت أخيرا من جماهير فريق كرة تونسي

و هنا نحن بصدد أزمة السلطة السياسية في تونس و لكن أيضا أزمة بديلها الممكن.. و ذلك موضوع أكثر تعقيدا كنت أنوي مواصلة الكتابة عنه قبل حدوث صراع الاستبداديين هذا..

ملاحظة أخيرة: يقوم بعض المعلقين على هذا الموضوع بالتركيز على طرف دون آخر و تجنب نقد الطرف المقابل.. و هو سلوك انتقائي لا يعكس أي جدية في تناول الموضوع بل يشير إلى رغبة في التواطئ مع طرف دون آخر بل و خاصة الصمت على المسألة السياسية و موقف المجموعتين من السلطة.. و هذه بعض الأمثلة

http://www.businessnews.com.tn/BN/BN-lirearticle.asp?id=1089539

http://waelelebrashy.com/forum/t9027.html

http://fr.readwriteweb.com/2010/04/12/analyse/politique-de-radiation-des-comptes-facebook-en-question/?utm_source=feedburner&utm_medium=feed&utm_campaign=Feed:%20readwriteweb-france%20(ReadWriteWeb%20France&utm_content=Twitter

كما أرجو أن لا يقع أحد في الخطاب التبريري و التبسيطي حول أن "البادئ أظلم" خاصة أن "البادئ" يختلف حسب كل طرف.. فهو يبدأ باستعمال "المبيد" على فايسبوك بالنسبة للبعض و يبدأ بالخطاب الاسلامفوبي (على فايسبوك و خارجه) بالنسبة للبعض الآخر


عدد التعاليق: 1


مقال صدر في صحيفة "الموقف" (الاسبوعية-المعارضة) بتاريخ 2 أفريل 2010... تم تعديل طفيف في العنوان من قبل هيئة التحرير في حين أن العنوان الأصلي يعبر بشكل أكثر دقة عن موضوع المقال.. إذ سأتحدث في مرات قادمة عن طبيعة السلطة السياسية في تونس لكن هذه المرة حاولت التركيز على "الحاجة" لفهم طبيعتها بما أن هذه المسألة مهمشة في الطيف السياسي التونسي عامة

إذا هذا أول مقال لي حول الوضع السياسي التونسي الداخلي في صحيفة تونسية للتفاعل بشكل مباشر مع القارئ التونسي و في سياق رغبتي للتركيز أكثر على الشأن المحلي و هو الأمر الذي أرغب في القيام به من خلال صحف تونسية و ليس منابر عربية كما اعتدت سابقا... و برغم أن صحيفة "الموقف" جريدة تتبع "الحزب الديمقراطي التقدمي" إلا أنها من بين الفضاءات النادرة المفتوحة في الداخل التونسي أمام الأقلام المستقلة... و رغم أن هذا الوضع غير نموذجي (إذ نحن في حاجة في تونس إلى صحف "مستقلة" فعلا إلى جانب الصحف الحزبية) إلا أنها تستحق كل التشجيع و الدعم على الدور الاعلامي الريادي الذي تقوم به.. و بالمناسبة أدعو جميع الأصدقاء لاقتناء الجريدة خاصة أنها محرومة من الدعم العمومي



في الحاجة لفهم طبيعة السلطة السياسية في تونس

1
ليس من الواضح بعد إن كان من حسن حظنا أم من سوئه أننا نعيش في تونس الآن عصر صراع الذاكرة. انسياب التاريخ الحاضر و السياسي منه بالتحديد شفويا و كتابيا لا يحدث دائما بل، مثلما هو الحال مع أي إنتاج فكري بشري، عندما تتوفر إليه الحاجة. و لعل ذلك هو أبرز سمات الراهن التونسي، أن هناك حاجة للذاكرة السياسية.
تحديد مصدر الحاجة للذاكرة السياسية أمر معقد. لكن من الصعب أن لا نرى علاقة بين نضوب السياسة في الوضع الراهن و الحاجة لتذكرها. و هكذا لن نبالغ إن قلنا أن صراع الذاكرة لا يتعلق بالماضي و لكن تحديدا بالحاضر، و بشكل أكثر تحديدا بالحاضر السياسي الخالي (تقريبا) من السياسة.
ربما من المغري، بناء على المقدمات أعلاه، أن ننطلق في جملة من الأحكام العامة من نوع أن جفاف السياسة من سمات النظام "التسلطي" (authoritarian)، و ما يعني ذلك من استسهال تعريف نظام السلطة بعد الكولنيالية (post-colonial) التونسية بأنها "تسلطية". غير أن مسألة تحديد طبيعة السلطة السياسية بشكل عام و السلطة السياسية في تونس بشكل خاص ليست مسألة يسيرة.

2
من المثير للانتباه أنه في مرحلة ما (السبعينات و الثمانينات) استنفدت قوى "اليسار الجديد" التونسية (على سبيل الذكر لا الحصر) طاقات نظرية و عملية غير هينة في سياق الجدال حول مسألة "طبيعة المجتمع" ("رأسمالي تابع"، "شبه-شبه"... إلخ)، و حينها كان ذلك منسجما إلى حد ما مع الجهد السياسي المنصب على جبهة "النضال الاجتماعي" (إقرأ "النقابي" و/أو "الطبقي"). و بمعزل عن جدوى الصراعات الماراطونية التي حصلت حول مسألة "طبيعة المجتمع" فإن إنزياح البوصلة السياسية لذات هذه القوى نحو "النضال السياسي" (إقرأ "الحقوقي" أيضا) لم يترافق معه أي جهد نظري جاد حول طبيعة السلطة السياسية، إذ كان ذلك يتم بشكل عابر من خلال منح توصيفات اصطلاحية محددة بدون تفاصيل من نوع "دكتاتورية" و "بوليسية" و حتى "فاشية" و غير ذلك. ما حصل بشكل عام في الساحة السياسية التونسية أنه بعد مرحلة ما يمكن أن توصف بـ"الإغراق الايديولوجي" (حتى الثمانينات) دخلنا مرحلة من "القحط الايديولوجي". إذ حصل ما يشبه الاجماع بفعل خليط معقد من مشاعر الاحباط أو الضجر، في سياق الظروف المحلية و الاقليمية و الدولية، من التعبير النظري. ربما كان فرانسيس فوكوياما مجانبا للصواب في عدد من استخلاصاته التجريدية لكنه كان مصيبا في تسجيله حالة "الانحسار" الايديولوجي (توخيا للدقة لم يسجل "نهايته" بالمناسبة بل توقع شيءا من ذلك القبيل في مستقبل ما) خلال مرحلة التسعينات. و ذلك حتى مع الوعي بالفروق الممكنة بين ماهو "نظري" و ما هو "ايديولوجي".

3
في ظل هذا السياق من المتوقع أن تبرز اعتراضات على أي دعوة للتنظير في طبيعة السلطة السياسية، مثل أن الوضع الراهن يحتاج مواجهة السلطة و ليس مزيد فهمها، أو حتى بأنها لا تحتاج إلي فهم معمق بدعوى أنها "سطحية" بالضرورة. غير أن الاعتراض الأول، على فرض أن هناك حاليا "مواجهة" ناجعة أصلا، يرى ضمنيا في الاستقصاء الفكري بالضرورة استتباعات غير مجدية على المستوى العملي (حتى أن مصطلح "التنظير" ذاته أصبح محملا بمعاني سلبية أساسا). كما أنه لا يرى أي علاقة ممكنة بين فعل "المواجهة" و عقلنة "المواجهة" أو مأسستها فكريا و استراتيجيا، كأن الصراع السياسي يجب أن يكون حالة من الاحتجاج الشعاراتي بدون رؤية. أما الاعتراض الثاني فإنه يدعي طبيعة "سطحية" للسلطة بدون دراستها و تفهمها في الوقت الذي توجد فيه أعمال ثرية في قراءة التجربة التاريخية و السمات النظرية للسلطة السياسية، إذ يحيل هذا المتن المعرفي على وضع معقد (و ليس "سطحيا" بالمرة) لطبيعة مسار تشكل السلط السياسية خاصة تلك الموسومة بشكل تعميمي و تبسيطي مخل تحت تعبير "التسلطية". و الحقيقة من الصعب ألا نرى علاقة ما بين استسهال معالجة طبيعة السلطة السياسية لدى الكثير من القوى السياسية التونسية و تحديدا وريثة "اليسار الجديد" و بين ميراث فهمها "المادي الجدلي" الذي يركز بشكل متكرر على "رئيسية" البنية التحتية في علاقة بالبنية الفوقية و القراءة اللينينية للدولة بماهي "احتكار للعنف" على وجه خاص، و هو ميراث لم يستفد حتى من بعض التجديد الوارد مثلا في القراءة الغرامشية لمسألة الدولة.

4
الحاجة التونسية لفهم طبيعة السلطة السياسية لا تنبع من عدم التوزان بين الفعل السياسي و الفعل النظري للأطراف التي تصدت لمواجهة السلطة القائمة. بل تنبع بالتحديد من محدودية جدوى الفعل السياسي القائم و محدودية نتائج الصراع الراهن و استمرار هيمنة السلطة السياسية بسماتها القديمة. إذ أصبح من الضروري فهم طبيعة السلطة السياسية القائمة منذ نشأتها مابعد الكولونيالية إلى اللحظة الراهنة، ليست بما هي سلطة سياسية معزولة عن سياقها اللاسياسي و تحديدا سياقها الاقتصادي-الاجتماعي و/أو الثقافي، و أيضا بدون تجاهل تقاطعها مع التجارب التاريخية الأخرى، و أخيرا محاولة حصر شروط تفكيك طابعها الراهن نحو وضع آخر. و هكذا فإن فهم الوضع القائم يستهدف أساسا و رأسا محاولة التأمل في أسباب تغييره. و بهذا المعنى فهو جهد نظري لا يستهدف التجريد فحسب بل أيضا تغيير الواقع.
من المفارق أن عملية التفكر هذه هي فعليا بصدد التشكل. إذ أن إعادة إنتاج الذاكرة السياسية القائمة على قدم و ساق الآن هي في مسارها محاولة للفهم بما في ذلك فهم السلطة السياسية و لو أنها تتم بشكل تجريبي و مؤدلج و تنتهي إلى خلاصات تبريرية في أحيان كثيرة. إذ أن الحاجة الراهنة لتذكر الماضي السياسي لا تعبر عن غياب السياسة راهنا فقط بل هي إنعكاس للحاجة الملحة لفهم استدامة ما هو قائم في سياق الحاجة المتصاعدة لتغييره. و هكذا عوض حدوث عملية التفكر هذه خارج إراداتنا النظرية فإننا لازلنا في حاجة لأن نقوم بها بشكل منظم و واع. و أحد أكثر مهام الناشط السياسي التونسي إلحاحا الانتقال من إنتاج و إعادة إنتاج ذكرى السياسة إلى إنتاج فهم الوضع السياسي القائم. و عندها فقط تتحقق أحد أهم شروط إعادة إنتاج السياسة ذاتها.


لا يوجد أي تعليق


بمناسبة 6 أفريل (هذه المرة) استدركت "التلفزة الوطنية" (الممولة من دافع الضرائب) قناة "تونس 7" و بثت ليلة ذكرى وفاة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة شريطا وثائقيا حول مسيرته. و برغم أن نهاية الشريط كانت حول خلفه و برغم القراءة التاريخية المثيرة للجدل و المعبرة عن رؤى الحزب الواحد التقليديةالواردة في الشريط إلا أن إعداد هذا الشريط و بثه يعكس ردة فعل رسمية على مستوى المشرفين على السياسة الاعلامية تقر بتخلف الركب التونسي الرسمي في الاحاطة بهذا الرمز التاريخي، بمعزل عن اتفاقنا و اختلافنا معه. إذ أن الشريط الذي أعدته قناة "العربية" (و سيعاد بثه هذا الاسبوع) حول "زمن بورقيبة" أعاد لذاكرة كثير من التونسيين السيرة المعقدة للرجل..

و الحقيقة أن هناك حالة "بورقيبة مانيا" (Bourguiba-Mania) أو الولع ببورقيبة في السياق التونسي لا يمكن عدم ملاحظتها خاصة في المنابر العامة غير التقليدية مثل فايسبوك... و برغم شعوري بالاحباط لطريقة الكثيرين في كيل المديح الخالي من أي رغبة في قراءة نقدية متوازنة الأمر الذي يصل لما يقارب التقديس و الصنمية بالنسبة للزعيم الراحل إلا أني في ذات الوقت أعتقد أننا يجب أن نتعلم الكثير من لحظة استلهام جماعية مثل هذه.. و عموما تبدو حالة الولع الراهنة مدفوعة أساسا من حالة غياب "الزعيم الملهم" و توق الاجيال الشابة إلى زعيم هلامي قادر على اختراق الآفاق و تحقيق ما يبدو صعبا و حتى مستحيلا... و بهذا المعنى أتفهم تماما حاجة الاجيال الجديدة لهذه النوع من النماذج التاريخية الملهمة... و بشكل ما أعتقد أن أي شعب و أي أمة في حاجة إلى هذا النوع من النماذج حتى بأبعادها الاسطورية الملتبسة (و هنا أعتقد أنه من الضروري تنويع هذه النماذج و شخصيات مثل حشاد و بن يوسف و الثعالبي و غيرهم الكثير يجب أن تدرس كنماذج ضحت من أجل تونس).. لكن في كل الأحوال الخشية كل الخشية من أن هذا التوق يصبح زءا من حالة إعاة إنتاج الاستبداد و ليس تأسيسا لبديل حقيقي

قبل حوالي العام و بسبب ملاحظتي لحالة الولع العارم بمناسبة ذكرى وفاة بورقيبة كتبت مقالا كان في جانب منه مكاشفة شخصية و في جانبه الآخر محاولة للنظر التاريخي و لكن أيضا و خاصة محاولة لمواجهة "الاساطير المؤسسة" للبورقيبية (و ليس بورقيبة الشخص) كما نعيشها اليوم في أذهاننا و مخيلاتنا... المقال الذي صدر في "العرب" القطرية في ثلاث أجزاء أعيد نشره كاملا أسفله

http://208.109.168.188/details.php?docId=80409&issueNo=489&secId=15
http://208.109.168.188/details.php?docId=79714&issueNo=482&secId=15
http://208.109.168.188/details.php?docId=80409&issueNo=489&secId=15
..........................
.................................................................


بورقيبة


1

إذا كان هناك أمر يستحق التنويه في أي بداية لحكاية الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة (وقد مررنا للتو بذكرى رحيله يوم 6 أبريل 2000) يجب أن يكون التنصيص على استحالة تنميط الرجل أو حشره في توصيف ذي بعد أحادي. لكن، مثل غيري الكثير على ما أعتقد، كان عليّ أن أمر بمخاضات مختلفة حتى أفهم ذلك.
كنت من الجيل الذي كان بعضه -إن لم يكن كله- شاهداً على بورقيبة المهترئ، العجائبي، المتكرر إلى حد الضجر قبل وبعد وخلال نشرات الأخبار، في بورتريهات المحلات الفخمة وبيع الفواكه الجافة وحتى أعمدة النور، وأيضا الخرائب. بورقيبة الخطيب «صباحاً مساءً.. ويوم الأحد»، والضاحك أحياناً، الباكي أحياناً أخرى. وجه متقلب محفور بالقديم والعتيق، يتحرك كآلة صدئة، يتكلم بحشرجات تقبل التأويل، حتى تخاله شبح نفسه. هو اسم تونس، أو هكذا أراد أن يكون وأراده أن يكون من تبقى من مريديه. كان اسم الشارع والمقهى والملعب والميناء والمطار ومحطة الحافلات وعربات النقل الريفي. اسم البنايات الرسمية والمنتجعات الترفيهية والجسور. اسم بطولة كرة القدم وكأسها ومنافسات الألعاب المدرسية وإنجازات الفرق الوطنية للرياضات الفردية والجماعية. اسم كتاب التاريخ والجغرافيا. اسم الحركة الوطنية وأعياد البلاد. اسم الشعر الشعبي والأغاني الوطنية والعاطفية إن لزم الأمر. اسم «الجهاد الأكبر» و «الأصغر» على السواء. واسم خطب رئيس الوزراء وبيانات الحزب والحكومة والمنظمات الشعبية والجريدة الرسمية وبداية البثّين التلفزيوني والإذاعي ونهايتهما. كان اسم النكات وأدب السخرية السياسية «تحت الأرضي». واسم هجاء أجيال المعارضين. كان خانقاً. كابوساً لا يشير شيء لنهايته.
كنت تجاوزت الثلاثة عشر ربيعاً بأيام قليلة عندما أيقظني والدي صباح اليوم السابع من شهر نوفمبر العام 1987 ليخبرني أن بورقيبة أزيح من السلطة. اعتقدت للوهلة الأولى أن ذلك امتداد لحلم وردي كنت مستغرقاً فيه ساعات الصباح الأولى، إذ كان بورقيبة شيئاً من أشياء الحياة في تونس. برغم كل الأعاصير السياسية وحيوية القوى «الإصلاحية» و «الثورية» على السواء التي عجت بها البلاد في الثمانينيات لم يكن من السهل تصور سلطة في تونس بدون بورقيبة، ولو أن تلك كانت أمنية شديدة الشيوع. أذكر في تلك الأشهر أني قرأت إحدى الروايات الأكثر جاذبية لغابريال غارثيا ماركيز «خريف البطريق»، حيث ذلك الحاكم المخرف الذي عمر قروناً حتى أصبح جزءاً من قصره البائد واصطبلاته المقفرة وحتى طحالب البلاد. كان من الصعب ألا أرى في صورة الرئيس الراحل تلك الصورة الأسطورية لحاكم أبدي يبيد الحياة قبل رحيله.
الخبر الموالي الذي أسر لي به الوالد هو غياب سيارة المراقبة «الأمنية» التي كانت ترابط بشكل روتيني أمام المنزل معظم سنوات الثمانينيات وحتى قبلها. عندها فقط، وبرؤية العين، فهمت أن الرجل رحل من السلطة. إذ طيف بورقيبة، بالنسبة لصبي مثلي آنذاك، كان طيف سيارات بدون لوحات رقمية، ورجال عابسين يرافقوننا بكل الجدية اللازمة أينما نذهب حتى أوقات السباحة في شاطئ المدينة. كان طيفه حاضراً في زيارات الليل، وأب ملاحق وعاطل عن العمل وفي السجن أحياناً أخرى لنشاطه النقابي والسياسي. كان طيف فقر الأحياء القصديرية وموتى أحداث 26 يناير العام 78 ويناير 1984. كان طيف السجن والسجان، والعصا الغليظة. كان ذلك «بورقيبتي» أنا.. ولم أكن وحدي.
لم يكن ذلك التمثل مزيفاً، لكن كان منقوصاً أو مختزلاً. الآن أبتسم بمرارة عندما أشاهد ما يبدو للوهلة الأولى أنه «نوستالجيا بورقيبية» لدى شبيبة تائهة تبحث في غرف الدردشة والمدونات و «الفيس بوك» ومواقع تقاسم أشرطة الفيديو عن بديل للحاضر من الماضي. ينهض من هذا المدخل بالتحديد بورقيبة من جديد مثل العنقاء. أشعر بسخرية الأقدار عندما أرى أجيالاً «ما بعد بورقيبية» تنحت صورة أحادية فردية لبورقيبة وردي الملامح، «حداثي»، «عبقري»، «سابق لزمانه»، يلامس النبوة تقريباً. لكن أليس «بورقيبتي» أنا أيضاً من نفس الطينة الأحادية الطابع؟
بورقيبة المذموم بالمطلق والممدوح بالمطلق على السواء هو بورقيبة الأسطورة. بورقيبة «أنا» التونسي الفردية. هو بورقيبة الذي ننحته من زوايانا الذاتية تبعاً للظروف السياسية والفكرية التي نخضع لها أو نتمثل خضوعنا لها. وعلى الرغم أن ذلك أمر بديهي إلا أنه يصعب نطقه لمن عاش في زمنٍ بورقيبي أو ما بعد بورقيبي. إذ سيرة الرجل ذات منعطفات حادة ومواقف حادة ولهجة ولغة حادة تدفع بسهولة نحو ردود الفعل الحادة. لكن في السنوات الأخيرة أيضاً بدأ يحضر بصوره المفارقة حتى لدى ألدّ معارضيه. مثل هذه الصورة المفارقة مثلاً هي التي انطبعت لديّ في إحدى السنوات القريبة الماضية خلال زيارة لرئيس الوزراء التونسي السابق، الذي لا تقل صورته أسطورية، أحمد بن صالح، والذي كان في وقت ما أقرب مقربيه قبل أن يصبح أبعد المبعدين عنه في وقت لاحق. بكل الحيوية الممكنة وبصوت بطيء وبعينين متقدتين وصف بن صالح بأدق التفاصيل أحداثاً عاشها مع الزعيم الراحل. لفت انتباهي بشكل خاص صوته المتأثر وهو يصف زيارة قام بها بورقيبة إلى قرية «المكنين» زمن الاحتلال الفرنسي في وقت حصار أمني خانق. كيف ترجل الرجل سيارته وسط سوق القرية ووقف على كرسي وبدأ يخطب في تحدٍ للقوة المحتلة وأجهزتها المحلية عن ضرورة الاستقلال وسط دهشة الجميع حتى معاونه الشاب بن صالح. الأخير الذي ذاق الكثير من اللحظات المرة على أيدي الرئيس الراحل لم تنتقِ ذاكرته القوية صوراً أحادية الطابع لغريمه السياسي الراحل. لم يستطع أن ينسى الصورة الفسيفسائية لبورقيبة.
من حسن الحظ أننا نعيش الآن زمن القراءات المتعددة لبورقيبة وليس زمن قراءاته الأحادية فحسب. بدأ زمن المؤرخ الذي يمحو ببطء ولكن بثبات أيضاً الصورة الأسطورية لبورقيبة. وفي هذا السياق يلعب منذ سنوات أستاذ أجيال من المؤرخين التونسيين السيد عبدالجليل التميمي دوراً محورياً من خلال «مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات» في إعادة الاستكشاف التاريخية لبورقيبة. إذ أشرفت المؤسسة الأخيرة، وهي من الأطر التونسية غير الحكومية النادرة التي تقوم بعمل جدي في مجال الإنسانيات، على ندوات علمية جمعت مؤرخي تونس المعاصرة وعلى جلسات تم فيها «استنطاق» شهود قريبين من البورقيبية زمناً ورؤية وقامت بنشر كل ذلك في عدد من الكتب خاصة منذ سنة 2000. ترافق ذلك مع نشر سلسلة كتب لصحافيين ومذكرات شهود آخرين بدأت تتلمس بشكل متزايد الطبيعة المعقدة للرئيس الراحل.
لكن في الوقت نفسه يسترجع بعض التونسيين بورقيبة، خصوصاً في ذكرى رحيله، في صوره المختزلة الأحادية وفي أحيان كثيرة كمخلص لم نكتشف حقيقته إلا بشكل متأخر. يعود كمشروع لتغيير الحاضر، مضفياً مشروعية محلية وتاريخية على سياقات فكرية وسياسية في حاجة للمشروعية تحت غطاء كثيف من الشعاراتية «التقدمية» و «الحداثية». وبهذا المعنى فإن نقد «الأساطير المؤسسة» لبورقيبة والبورقيبية تبدو مهمة محورية ليس للمؤرخ فحسب بل أيضا للتونسي المستغرق في مهام الراهن

2

«التحديث يطرح دائما التحدي ذاته، أي حقن روح عقلانية ووضعية يقف أمامها الإسلام عاجزا تماما».
دانيال ليرنر (Daniel Lerner)، «تجاوز المجتمع التقليدي» (1958).

تلعب الأساطير دائما دورا يتجاوز أبطالها، حيث تصبح أداة لا تعيد خلق الأوهام فحسب، بل أيضا تصنع الوقائع، أو في أقل الأحوال تتجاوب مع رغبات واقعية لتوفر لها مشروعية ما. هكذا هي البورقيبية الآن، ميراث للتأصيل السياسي وحتى الفكري لمن ضجر من الابتعاد عن «أصول وطنية» في استثماره للعمل السياسي. الأمر المفارق أن البورقيبية تستعيد نجوميتها من قبل ضحاياها، وبالتحديد من خلال إعادة إنتاجهم لأحد أهم أركانها.. أن سيرة الزعيم هي سيرة الوطن، وأن في سيرته يمكن أن نجد البنى المؤسسة للمستقبل. ومرة أخرى يجب علينا أن نستمع إلى سرد جوهراني-تطوري لـ «تاريخ الوطن»، حيث هناك جوهر «نتقدم» نحوه، وبورقيبة هو مرحلة تحقق فيها هذا الجوهر «التجديدي». ومن بين «الأساطير المؤسسة» للبورقيبية والمستعملة في السياق الراهن كرأسمال سياسي بطرق معقدة أو شعبوية، هناك نموذجان يستحقان التفكيك، أسطورة البورقيبية «الحداثية-العلمانية» وأسطورة البورقيبية التي كانت «حكيمة» و «ريادية» في طرح «حل الدولتين» فيما يخص الصراع العربي-الإسرائيلي. سأتعرض هنا إلى الأولى لأترك الثانية إلى المقال القادم.
في صيف 2004 التقيت طيف بورقيبة حيث لم أكن أتوقع لقاءه. كانت زيارتي الأولى إلى اسطنبول ذلك الصيف في سياق الإعداد لرسالة الدكتوراه، والتي قادتني إلى مخطوطات نادرة محفوظة في مكتبات عامة وخاصة. وفي أحد الأطر من النوع الأخير، التقيت بمجموعة من المسنين الأتراك المتدينين والمحبين للمعرفة خاصة ذات الخلفية التاريخية الإسلامية. وفي الوقت الذي كنت أتوقع فيه حوارا حول مخطوطات ابن حوقل، انهالت علي ألسن أصدقائي الجدد تكرر أمرا واحدا بعربية طفولية: «ما رأيك في بورقيبة؟» كان من الطبيعي أن يستذكر مسنون أتراك في بداية القرن 21 سيرة تونس بسيرة الزعيم الراحل. ما كان مثيرا للانتباه في المقابل، هو شغفهم الكبير بتجرؤ بورقيبة في قول ما كانوا يرغبون قوله عاليا عندما زار تركيا سنة 1965 وألقى خطابه الشهير أمام البرلمان يوم 25 مارس منتقدا فيه توجهات أتاتورك في إلغاء الخلافة العثمانية و «فرض اللائكية» واستنساخ التجربة التحديثية الفرنسية. سرد لي أصدقائي الشيوخ بحيوية لافتة ما ترسب لديهم من تلك الزيارة. لم يكن هؤلاء المسنون الأتراك إسلاميين، بل كانوا أتاتوركيين شديدي الاعتزاز بـ «مؤسس الدولة» (الذي كانت صوره تؤثث أركان المكتبة)، لكن كانوا منتقدين لرؤية الزعيم التركي الراحل لعلاقة الدولة بالدين. نعرف الآن أن هؤلاء كانوا في الواقع تعبيرا عن جيل تركي جديد أعاد تعريف الأتاتوركية بصمت منذ خمسينيات القرن الماضي، لتصبح إيديولوجيا الدولة الوطنية، ولكن لتعيد تعريف تركيا من خلال غالبيتها المسلمة في مواجهة «الخطر الشيوعي» الداهم من الشمال. كل ما قام به بورقيبة آنذاك هو التصريح بواقعية التوجهات التركية الجديدة.
كان بورقيبة بالنسبة لهؤلاء «زعيما مسلما» بالأساس يدافع عن دور رسمي للدين. كانت تلك الصورة مفاجئة بالضرورة حتى بالنسبة لتونسي لا ينظر إلى بورقيبة من زاوية علاقته بالدين، فما بالك إذا أضفنا إلى ذلك كل الميراث المتعلق بتصادم بورقيبة مع «الإجماع الديني» مثلما حصل في حادثة إباحة إفطار رمضان في إطار «الجهاد الاقتصادي» (فبراير 1960). لكن هي صورة متعارضة بالأساس مع صورة «الزعيم اللائكي» المنتشرة الآن كالفطر. بعيدا عن التمثلات الانطباعية نعرف الآن ما يكفي من المعطيات (مثلا مثلما بينت بعض مداخلات ندوة «الحبيب بورقيبة وإنشاء الدولة الوطنية» سنة 1999 وندوات أخرى بعدها لـ «مركز التميمي» وكذلك كتاب «الزعامة والإمامة» للصحافي لطفي الحجي) التي تشير إلى أن بورقيبة لم يقم بأي إصلاحات اجتماعية عبر مؤسسات الدولة من دون الحرص على «تأصيلها» بأي شكل من الأشكال من الزاوية الدينية. أول وأهم المدونات القانونية التي دفع بها إلى الأمام -أي «مجلة الأحوال الشخصية» (1956)- لم تكن سوى صياغة جديدة لـ «لائحة الأحكام الشرعية» التي أشرف على صياغتها الشيخ محمد العزيز جعيط منذ سنة 1948 وشارك في إحيائها بعد الاستقلال وزير العدل أحمد المستيري. وبرغم أن المجلة كانت مثيرة لجدل واسع فور إعلانها خاصة من قبل أوساط شيوخ الدين التونسيين، وبمعزل عن الجدل حول مدى «تطابقها مع الشرع»، فإنه من اللافت دفاع القانونيين التونسيين آنذاك عنها من زاوية «تطابقها مع روح الإسلام» (خاصة في مقالات في «مجلة القضاء والتشريع» التونسية).
ليس من الصعب ملاحظة حرص بورقيبة الدائم على التعامل مع المسائل الدينية من داخل المنظومة الدينية وليس من خارجها. كان يرغب في التصرف ليس كـ «مصلح ديني» فحسب، بل كرجل الدين الأول في البلاد، رغم عدم توفره على ما يكفي من الأدوات المعرفية للمتفقهين الدينيين للقيام بذلك، وهو ما وضعه بشكل متكرر أمام صدام عنيف مع الأوساط الدينية. الخطاب الذي جلب إليه تكفير مشايخ محافظين (18 مارس 1974) كان بالأساس في سياق يحاول التركيز على الهوية الإسلامية لتونس زمن صعود تيارات يسارية راديكالية في البلاد. إذ التركيز الوارد في الخطاب على خطورة «التطاحن» وضرورة الحفاظ على «الشخصية التونسية» المتماهية مع الإسلام الذي أنهى التطاحن القبلي العربي كانت قراءة مسيسة ومتدينة في الوقت نفسه للواقع السياسي التونسي منتصف السبعينيات، تحاول في نهاية الأمر تصوير الصراع السياسي القائم آنذاك ضمن سياقات التطاحن القبلي المضاد للإسلام. لكن الأهم أنه من العنوان (الإسلام دين عمل واجتهاد) إلى مقتطفات الخطاب بما في ذلك الاستشهاد المتكرر بما قدمه بورقيبة على أنه سيرة وأحداث خاصة بالرسول في سياق التأكيد على رؤى تتعلق بالحاضر، هي في الجوهر لا تختلف بأي حال عن خطاب «الإمام-الأمير»، وهو نموذج في الحكم لم يتكرر كثيرا عبر التاريخ الإسلامي لكن يمثل -يا للمفارقة- أقصى تمظهرات الدولة الدينية، بمعزل عما إذا كان توصيفنا لهذا الخطاب «إصلاحيا» أو «رجعيا» أو «خارجا عن أصول الشريعة». هذا الوضع جعل بورقيبة بديلا أو وسيطا من موقع الرئيس عن سلطة رجل الدين. ومن اللافت أن إدراج مادة الدستور الأولى («تونس دولة دينها الإسلام») تم على إثر توافق توصل إليه بورقيبة بين رأي الشيخ محمد الشاذلي النيفر (الذي طالب بإدراج جملة «تونس دولة عربية إسلامية») ورأي الباهي الأدغم الذي اعترض على هذه الصيغة (مراعاة للمجتمع الدولي)، وذلك حسب شهادة مصطفى الفيلالي في جلسة في «بيت الحكمة» منذ حوالي العام (نقلا عن جريدة «الصباح» التونسية 8 مايو 2008). وفي الواقع لم يقم بورقيبة بما هو غير متوقع عندما تمسك وحتى رفاقه بتصريف الدولة وحتى احتكارها للشأن الديني.
أسطورة «بورقيبة اللائكي» هي جزء من أسطورة «بورقيبة الحداثي». ويجب التوقف هنا عند تمييز منهجي ضروري بين «نية التحديث» و «تحقق الحداثة». كان بورقيبة يمارس نسخته الخاصة لـ «نظرية التحديث» (modernization theory) التي ازدهرت بشكل خاص في نهاية خمسينيات القرن الماضي. دانيال ليرنر (المذكور أعلاه) أحد أهم مهندسيها، كان تعريفه للحداثة خاصة في المجال العربي (مجال اختصاص ليرنر) يقتضي بشكل رئيسي استعمال آلة الدولة بشكل قسري لاستنساخ حداثة تعتبر أن المشكل الرئيسي الذي يسمح بتحققها هو نقض التأثير الديني. كان أتاتورك نموذج هذه الرؤية. الفرق الوحيد أن بورقيبة لم ينقض سلطة القول الديني بقدر ما حاول توظيفها لـ «إصلاحه». لكن في كل الأحوال، ومثلما توصل النقد ما بعد الحداثي لـ «نظرية التحديث»، خاصة مع أزمة الدول العربية ما بعد الكولونيالية في نهاية الثمانينيات، كان هذا «تحديثا ساذجا». إذ كان في نهاية الأمر متناقضا في الجوهر مع فلسفته الحداثية بمجرد تعويله على مفهوم قهري لسلطة الدولة يصل حتى تهميش التسيير الديمقراطي ويصطنع «تطورا» تشريعيا غير مؤسس على سلطة الاختيار الديمقراطي ليفسح المجال لـ «الرجوع إلى الوراء» في أي وقت. والنموذج البورقيبي للدولة «الحداثية» لم يكن قسريا ومستبعدا للتسيير الديمقراطي فحسب (تحت شعار «الحرية المنظمة»)، بل كان مشخصنا بشكل فارق، يسترجع أكثر نماذج عبادة الشخصية الكاريكاتورية. وذلك ما لا نحتاج حتى أن نفصل فيه.

3

«سياسة الكل أو بلاش هي التي أوصلتنا إلى هذه الحالة.. لو رفضنا الحل المنقوص كما رفض العرب التقسيم أو الكتاب الأبيض بعدها سيندمون عليه ويقولون يا ليتنا لو قبلنا لكانت حالنا أفضل مما هي عليه الآن» -بورقيبة، في أريحا، 3 مارس 1965.

أكبر وأوسع الأساطير البورقيبية انتشاراً تلك المتعلقة بنظرته إلى الصراع العربي- الإسرائيلي. هنا أيضاً يتعين علينا أن نشاهد واحدة من صورتين لا ثالثة لهما: من جهة أولى بورقيبة «العقلاني» و«الواقعي» و(إذا دخل المتملقون والممجدون المحترفون على الخط) «السابق لعصره» المجرد من السياسوية. ومن الجهة المقابلة تتراءى صورة «العميل» و«الخائن» وهي الرؤية التي تبناها خصومه حتى فترة قريبة جداً إن لم يكن إلى هذه اللحظة. ما يثير الانتباه ولكن أيضا الريبة وحتى الاشمئزاز (خاصة) نجاح الخطاب الدعائي المردد لشعارات «الحكمة» و«الواقعية» في التسلط حتى على رؤى مؤرخين محترمين أصبحوا في نهاية الأمر يتمثلون الخطاب الروتيني للبيروقراطية البورقيبية. فرغم الاحتفالية المبالغ فيها إعلامياً وحتى أكاديمياً بهذا الموضوع فإن القليل من البحوث استطاع مسح ما يكفي من المصادر الأرشيفية حتى يمكن الاستماع لخلاصاتها، ومن بين هذه الدراسات القليلة تلك التي نُشرت من قِبَل مايكل لاسكير (Michael Laskier) والطاهر الأسود.
يقع التأريخ للموقف البورقيبي في حل القضية الفلسطينية عادة بدءاً من الخطاب الذي ألقاه في أريحا في مارس 1965. ولكن هناك من يشير أيضاً إلى تواريخ سابقة بعض الشيء مثل خطابه غير المنشور في القمة العربية في يناير 1964 أو في أقصى الحالات وثيقة يتيمة أشار إليها عبدالجليل التميمي ترجع إلى سنة 1957. وجميعها يشير إلى نفس النقطة، أي: ميل بورقيبة للاعتراف بقرار التقسيم ومن ثَمَّ الاعتراف بإسرائيل كنقطة لبدء عملية «تحرير فلسطين» بشكل محصور بالفلسطينيين. وعموماً يقع تلخيص كل الانخراط البورقيبي في هذه النقطة في مقتطفات «خطاب أريحا» مع تقديمها كحِكم أزلية مفصولة عن أي معطيات سياسية خاصة ببورقيبة (كنبيّ قادم من بعيد). غير أننا نعرف الآن من خلال كمّ هائل من المصادر الأرشيفية خاصة المحفوظة بين الولايات المتحدة وإسرائيل أن تاريخ النظرة البورقيبية ليس أسبق من ذلك فحسب، بل الأهم أنها أكثر تعقيداً بكثير مما يريدنا البعض أن نتصور.
أصبح من الضروري أن يُروى السرد التاريخي لهذا الموضوع كالتالي: بدأ الاهتمام البورقيبي بإسرائيل في سياق التحضير للمعركة الدبلوماسية لاستقلال بلاده والتأسيس لتحالف دولي للضغط على الاحتلال الفرنسي. في يونيو 1952 تم أول لقاء بين مسؤول يمثل بورقيبة (الباهي الأدغم) وممثل إسرائيل في مقر الأمم المتحدة في نيويورك في إطار «طلب الدعم الإسرائيلي» لمطلب الاستقلال التونسي وفي الشهر نفسه صرح بورقيبة لجريدة «لوموند» الفرنسية بضرورة القيام بـ«تسوية سياسية» بين العرب وإسرائيل. وأكد بورقيبة الموقف نفسه عندما التقى لأول مرة شخصية مهمة في الدوائر الدولية الإسرائيلية ألك إيسترمان مدير مكتب لندن آنذاك لـ«المؤتمر اليهودي العالمي» في منفاه الباريسي سنة 1954. حسبما يتبين من وثائق لاحقة من مرحلة «الاستقلال الداخلي» خاصة منها تقرير يوثق (في شهر فبراير العام 1956) لقاء بورقيبة مع السفير الإسرائيلي في باريس ياكوف تسور. نصح الأخير بورقيبة بأن عليه «ضمان دعم اليهود الأميركيين للحصول على دعم اقتصادي أميركي». وتبدو هذه كلمة السر فيما يخص خلفية الموقف البورقيبي من الصراع العربي- الإسرائيلي منذ بدايته، أي حتى قبل الاستقلال. إسرائيل هي المفتاح للولايات المتحدة. المشكلة أن بداية هذه العلاقة (أي قبل الاستقلال) كانت مخيبة للآمال بما أن الإسرائيليين رفضوا التعامل مع الطلب التونسي بسبب استمرار مراهنتهم على الاحتلال الفرنسي كضمان لتواصل تهجير اليهود التونسيين إلى إسرائيل القائم على قدم وساق آنذاك وبإشراف «الموساد» ذاته (حسب وثائق لاسكيير) في مختلف المدن التونسية.
بعد الاستقلال كان (أيضاً) الاهتمام البورقيبي بإسرائيل مرتبطاً ظرفاً ومضموناً بالرغبة في الحصول أساساً على مساعدات اقتصادية أميركية وهو هدف معلن تمت الإشارة إليه قبل الاستقلال خلال اللقاء مع تسور في فبراير 1956. في لقاء بين السفيرين التونسي والإسرائيلي في باريس في أكتوبر 1956 تم الاتفاق على «تعاون اقتصادي بين البلدين». لكن التطورات التي أدت إلى اصطفاف بورقيبة إلى جانب الثورة الجزائرية و«معركة الجلاء» و«الجلاء الزراعي» يبدو أنها خلقت نوعاً من الفتور بين الجانبين وهو الأمر المنعكس في تقلص كبير للوثائق الأرشيفية الخاصة بالموضوع حتى سنة 1965.
الأشهر السابقة واللاحقة على «خطاب أريحا» في مارس 1965 تمثل الظرفية الأهم لتفسير الموقف البورقيبي خلال زيارته «الشرق أوسطية». قطع المساعدات الفرنسية، خاصة بعد إعلان «الجلاء الزراعي» في شهر مايو سنة 1964، أدى إلى اهتمام بورقيبة بتنويع مصادر المساعدات الدولية وعدم الارتهان للمصدر الفرنسي. كان ذلك يعني الرجوع إلى الورقة الأميركية وبالتالي الرجوع إلى الورقة الإسرائيلية. الوثائق تشير إلى التسلسل الآتي للأحداث: تشير مذكرة (اطلعت عليها بشكل مباشر) بتاريخ 18 ديسمبر سنة 1964 إلى ملاحظات من قِبَل مسؤول الخارجية الكولونيل روبرت كومر على ضوء لقاء مسؤول أميركي مرتقب مع وزير الخارجية التونسي بورقيبة الابن، تشير إلى عدم استعداد أميركي لزيادة المساعدات الاقتصادية لتونس بل واحتمال تخفيضها، بالإضافة إلى تذمر أميركي بأن «المعتدلين» في شمال إفريقيا لا يبدون علنيا دفاعا عن تشابك مصالحهم مع المصالح الأميركية. ثم تنقل وثيقة أخرى إثر «خطاب أريحا» بشهرين (مايو 1965) محتوى زيارة وزير الخارجية بورقيبة الابن إلى واشنطن طلبت إثرها الولايات المتحدة التوسط لتونس لضمان دعم مالي من الحكومتين الفرنسية والألمانية الاتحادية بقيمة 20 مليون دولار. وتشير الوثائق إلى أن الموافقة الإسرائيلية على الاستجابة للمطالب الأميركية كانت في إطار أملها أن تسهم الحكومة التونسية في تشجيع حكومات عربية «معتدلة» أخرى من أجل «إفشال أو تخريب الجهود المصرية والسورية للوحدة العربية». تواصل الوثائق التي يكثر عددها خلال هذه الفترة الحديث عن تقارب بين الطرفين استمر بشكل متسارع وحثيث طيلة سنة 1966 ليصل حتى مجالات أمنية وأيضا دعم إسرائيلي لترشيح بورقيبة لنيل جائزة نوبل عبر مقترح تقدمت به رسميا بالإضافة إلى تعاون اقتصادي مس جميع المجالات، خاصة منها القطاع السياحي الناشئ. لكن ذلك كله يبدو أنه وصل لمأزق مع نشوء حرب يونيو 1967، خاصة أن موقف بورقيبة كان داعما لمصر وبقية الأقطار العربية. من الضروري الإشارة إلى أنه خلال كل هذه المدة رفض بورقيبة التصريح بهذه العلاقات وحرص على سريتها مثلما هو مسجل بالوثائق. كما أنه رفض عقد «اتفاقية سلام» منفردة بل إنه وقف مع «جبهة الرفض العربي» إثر اتفاقية «كامب ديفيد».
يحيلنا ذلك على وضعية معقدة لا يمكن وصفها بتوصيفات أحادية البعد من نوع «إما أبيض وإما أسود». بالنسبة لبورقيبة المحدد الرئيس لمدى ونوع انخراطه في الصراع العربي- الإسرائيلي كان يخضع بالأساس لما يرى أنه «مصلحة وطنية عليا»، وبالتالي لا يخضع للحسابات التبسيطية لـ«العمالة»؛ إذ يرفض التماهي بين «مصلحة بناء الدولة الوطنية- القطرية» و«المصلحة القومية العربية». من جهة أخرى لم تكن المقاربة البورقيبية نصيحة مجانية من حكيم سياسي تعبر عن «واقعية» و«عقلانية» في علاقة بالملف الفلسطيني بقدر ما كانت تعبر عن الهاجس الذرائعي لبورقيبة الخاضع لما يرى أنه «مصلحة تونسية» تتمثل في التموقع (سياسيا واقتصاديا) ضمن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة عبر المفتاح الإسرائيلي. في المقابل من غير الدقيق وصف الرؤية الأخرى الناصرية تحديدا بأنها كانت «غير واقعية» أو«غير عقلانية» أو أيضا أنها كانت مقتنعة بموقف بورقيبة ولكنها لا تقدر على مواجهة شعبها، إذ مثلما أشار أحمد بن صالح في أكثر من مرة إلى أن اعتراض عبدالناصر على رؤية بورقيبة لم يكن على حكمة مبدأ التفاوض و«خذ وطالب» ولكن على ضرورة التفاوض من «منطلق قوة» أي بعد تحقيق نجاحات عسكرية. ومن الواضح الآن أنه حتى التنازل من دون مقابل في تلك المرحلة والقبول بالتقسيم لم يكن مقبولاً من الطرف الآخر حتى يكون وضعاً يمكن «أخذه» لكي تتم «المطالبة» بما هو أفضل لاحقاً


لا يوجد أي تعليق




تأطير عام


بداية يجب التخصيص حول وضع الحجب الالكتروني التونسي... كنت قد حاولت القيام بذلك في هذين النصين
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=57307&issueNo=278&secId=15
http://www.facebook.com/notes/tarek-rq-kahlaoui-lklwy/wf-mdwn-w-wld-kry/375293085801

الوضع التونسي مثلما وضحت وضع خاص حتى قياسا بالوضع العربي... الحجب غير المؤسساتي و السري و المنتظم/المتكرر... كل هذه الخاصيات تحتاج التركيز و يجب تجنب الحديث عن الحجب بشكل عام دون التركيز على هذه الخصوصيات

كتبت هذا النص في محاولة للخروج من أوضاع التنديد و الشجب (الضرورية لامحالة) في مواجهة الرقيب الالكتروني التونسي لكن التي أصابها التكرار بما يجعلنا نقع في الاحباط و خاصة الوقوع في الفخ المراد لنا الوقوع فيه و هو القبول بروتينية الحجب مثلما أشرت سابقا هنا

وضع الحجب الالكتروني يخضع طبعا لوضع سياسي قائم و مواجهته واقعيا مرتبطة أردنا أم لا نرد بمواهة هذا الوضع السياسي... غير أن هذا التأطير العام لا ينفي ضرورة و إمكانية مواجهة وضع الحجب الالكتروني بشكل محدد و هذا مهم خاصة بالنسبة للكثيرين مش مستعملي الانترنت التونسيين غير المستعدين/المهتمين/الجاهزين للدخول في مواجهة سياسية.. استيعاب جهود مستعملي الانترنت غير المسيسين أو غير المهتمين بالسياسة (في سياق الظرف الراهن) مهم بالنسبة لمواجهة الحجب الالكتروني وفقا لشروط الظرف الراهن بل أن ذلك مدخل ممكن أيضا لمواجهة سياسية "ناعمة" في نهاية الامر.. إذ مواجهة الحجب الالكتروني تبقى في الجوهر و عمليا مواجهة سياسية


مقترحات


فيما يلي مقترحات من أجل الانتقال إلى مرحلة جديدة تتجاوز الشجب و التنديد (المهمين مثلما اشرت أعلاه) إلى خطوات أكثر عملية.. ربما لن تحقق إنهاء الحجب لكن تساهم في تركيم الجهود لمحاصرة الحجب الالكتروني التونسي

الخطوة الأولى
بدء حملة لوضع العنوان الالكتروني لوكالة الانترنت التونسية و رقم هاتفها و حث مستعملي الانترنت للاتصال بهم بهدف المطالبة بالكشف على الشخص (أو مجموع الاشخاص) المكلفة بالحجب في السرية بشكل معادي للدستور و لقوانين الجمهورية بما يجعلهم خارج القانون..

الخطوة الثانية
عريضة.. و نقوم بوضعها في مدونة خاصة تعنى بتنظيم الأنشطة حول هذا الموضوع

الخطوة الثالثة
تشكيل لجنة لا تدعي الحديث باسم مستعملي الانترنت لكنها تقوم بتنظيم المتضررين من الحجب الالكتروني...

الخطوة الرابعة
و هي خطوة تستهدف تتويج الخطوات الثلاث بعد خلق حالة من الحشد و التركيم
رفع قضية تضم عددا محترما من الأفراد و لا تستهدف الفرقعة الاعلامية فحسب بل إعداد ملف قانوني جدي حول الموضوع...

هذه الخطوات المتصاعدة يجب أن تكون مترافقة مع حملة متواصلة في المنابر الاعلامية التقليدية

لكن كل هذه الخطوات غير مجدية إن تمت بشكل نخبوي لا ينجح في استيعاب طيف واسع من مستعملي الانترنت

هذه طبعا مقترحات أولية و تحتاج النقاش و ربما مزيد التفصيل و النقد أيضا.. لكن الصمت أو اللامبالاة في كل الأحوال لم يعودا خيارا.. أقول ذلك رغم أني لمست استمرار عدم جاهزية حتى بعض ضحايا الحجب للقيام بأي رد فعل

لا يوجد أي تعليق



--هذا النص مكتوب ليُقرأ مع المقطع أعلاه: "مسيرة الجنازة" لفريديريك شوبان—

في توقيت غير معروف يوم 5 فيفري 2010 تم الاستفراد بمدونة "أفكار ليلية" و قطع صلتها بتونس... و هكذا تم فرض شرط أساسي لتقضي مدونة نحبها: فصلها عن وطنها.

سبق أن حاججت على تشبيه حجب موقع الكتروني في تونس بحالة النفي، و من ثمة نفي كاتبه بما أن النص هو جزء لا يتجزأ من ذواتنا، به و من خلاله نصنع بعض وجودنا. الآن أريد أن أذهب أبعد: نفي مدونة تونسية عن أرضها يفقدها الحاجة للوجود.

إذا كنا، كذوات بشرية، و عند النفي القسري، نستطيع البقاء لأسباب معقدة فيها ما يتعلق بالحاجة و فيها ما يتعلق بالفانتازيا، فإن منبرا تفاعليا يخضع لشروطه الخاصة. المدونة تتنفس لأنها نص الكاتب من جهة و مقروء و محط تعليق القارئ من جهة أخرى. المدونة التي تتعلق بالشأن العام لبلدها، مثلما كانت الفقيدة "أفكار ليلية"، لا تتنفس بسبب ما يخطه عليها كاتبها فحسب بل أيضا بسبب قابليتها للقراءة و بما هي نقطة تفاعل من قبل متلق يوجد أولا و أخيرا في تونس. النفي القسري للمدونة، في هكذا حال، يعني إصدار حكم بالاعدام.

نريد أن نسخر من الرقيب. بل يجب أن نسخر من الرقيب.

لكن الحجب ليس زرا. الحاجب ليس سائق سيارة عتيقة.

الحجب لحظة إعدام. و الحاجب جلاد على أعتاب مقصلة.

الرقيب على الانترنت جلاد الكتروني.

غير أنه جلاد من نوع خاص. إذ هو لا يحجب فحسب بل يسطح (trivializes/banalise) ذاته.

تكرار الحجب، مثل تكرار القتل، يسطح فظاعتهما. يجعل وقعهما شأنا روتينيا نتلقاه بدون مشاعر. وقع الحجب يصبح حينها مثل ترشف قهوة بدون مذاق، و قراءة صحيفة يومية صدرت الاسبوع الماضي. مثل تدخين سجائر مغشوشة. مثل الاستماع إلى نشرة أنباءالساعة الثامنة. مثل صوت الفراغ. مثل صمت أقصى الليل. مثل حديث الجيران. مثل أكل وجبة معلبة في العشاء و لحظة الارتخاء الباهتة التي تليها. مثل رحلة رتيبة في قطار الضاحية الجنوبية.

تسطيح الحجب يشرعن الحجب لأنه يسطح فظاعته و يجعله شأن روتينيا لا يحتاج الانتباه. و بهذا المعنى فإن الصمت و دعوات الصمت و السقوط في فخ التعود و استصغار شأن الحجب، كل ذلك، بدون استثناء، جزء من آلية تسطيح الحجب. أول خضوع للحجب هو قبوله مثلما يرغب الحاجب أن يبدو، أمرا روتينيا لا يحتاج أن نتوقف عنده.

في المقابل رفض الحجب يجب أن يعني تحديدا رفض تسطيحه. أن يصبح حجب أي موقع اعلامي الكتروني، أي مدونة، أي صفحة في فايسبوك حدثا يحتاج التوقف. يجب أن يتم "الشعور" به، و بأنه تحديدا فعل فظيع و فاضح. استباحة لدماء الكترونية. و اغتصاب لحالة فكرية.

يجب أن يصبح فرصة لنتذكر أن السلطة المتغولة للرقيب الالكتروني التونسي حالة فريدة حتى بالمقياس العربي. إذ الحجب السياسي حالة جد استثنائية في دول مثل مصر و المغرب، حيث يصل الأمر إلي حد حجب (سجن) المدون و لا يتم حجب المدونة (يجب التذكير أن أكثر مستعملي البروكسي في المغرب الكبير من التونسيين). طبعا سيطل علينا حينها الرقيب، من خلال أعوانه (للرقيب ماكينة تتجاوز المقصات إلى الأبواق)، طالبا منا أن نحمدل و أن نستعوذ، "إذ أننا هنا محظوظون، لا نُسجن بل نُحجب فقط". غير أن هذه الامثلة العربية تعكس فضاحة حالة الحجب، و كم البؤس التي تتضمنها، و مستوى الرعب من الكلمة، و ليست مدعاة للتفاخر. كما أن تخيير صاحب الرأي و الكلمة، في هذه الحالة المدون، بين حجبه أو حجب مدونته يقترب من الكوميديا السوداء.

يستحق كل موقع و منبر و مدونة متوفاة جنازة. جنازة ليس للعويل بل للتعبير عن الرفض. رفض القوي و ليس الضعيف: هل يمكن أن يكون الرقيب قويا و هو الذي يرتعب من الكلمة؟ و هل يمكن أن يكون المحجوب ضعيفا و هو الذي يملك كلمة تخيف؟ الخوف في مرمى الرقيب و ليس في مرمى من هو مستهدف من الرقيب. تلك المفارقة التي لا يجب أن ننساها، في رأيي.

هناك مفارقة أخرى لا يجب أن ننساها أيضا: بداية نهاية الرقيب الالكتروني السياسي هو فرض الاعتراف بوجوده. إذ أن وجوده المتواري، البعيد، المخفي وراء حجاب السرية، و من ثمة بوصفه خارجا عن القانون، يجعله خارج دائرة المراقبة. إذ لا يوجد من يحتاج الرقابة أكثر من أولائك الذين يستحوذون على صلاحيات الرقابة. إذ أن رقابة السلطة تحتاج دوما سلطة الرقابة، و الرقابة المضادة، حتى يمكن لها الاستمرار و الامتناع عن خلق ما يستحث وضع الخروج عن القانون.

حاول و سيحاول أعوان و منظرو الرقيب تلقيننا دروسا في سوريالية "رفض الحجب" في أن "الحجب كوني" و ليس استثناءا تونسيا. و لأن العالم ليس "إما أبيض و إما أسود" فإننا إزاء نقاش أكثر تعقيدا مما يريدنا هؤلاء أن نعتقد. كنت أجبت بالتفصيل على بعض هذه الدروس خلال رد على مقال كتبه أحد المبررين و الذرائعيين منذ أكثر من العام. و في الحقيقة النقاش التونسي حول الحجب ليس (إلى حد الآن) حول مدى حدود سلطة الرقيب و لكن حول طبيعة وجوده غير المؤسساتية.

.....................

إذا سأشيع "أفكار ليلية" إلى مثواها الأخير لكي تولد "أفكار ليلية" جديدة. سأقوم بجنازة مكتملة الشروط. سأختار الصندوق المناسب و الكفن المناسب، سأغسلها بيدي و أخضب يديها بالحنة. سأخير لها مكانا جميلا في أحد هضاب مقبرة شهيرة. ربما تحت ظلال شجرة. ستكون إلى جانب أخواتها من جثامين مدونات أخرى كثيرة، و مواقع أخرى كثيرة. في كل الأحوال لن أسمح بدفنها في صمت و دون الشعائر المناسبة. و سأفعل الشيء ذاته مع كل وفاة جديدة.

هل نبالغ إن قمنا بذلك؟ لا، البتة، لا نبالغ لأن الحجب حدث جلل. لأن الحجب يعني الحصار. يعني أن لا نكتب في أي موضوع نراه مناسبا و لا يراه الحاجب كذلك. و هكذا الحجب السياسي/غير المؤسساتي ليس موضوعا آخر بل هو، الآن و في هذه اللحظة، موضوع المواضيع بالنسبة لكل من اختار أن يكتب. من يتجاهله إنما يتجاهل نفسه.

هل نحتاج لتجديد وسائل الاحتجاج عليه، لاستنباط أشكال أكثر نجاعة لفضحه؟ بكل تأكيد. لكن أكثر المواقف مدعاة للشفقة هي خضوع المحجوب لخطاب الحاجب، قبوله بشرعية الحجب و أن يرى في الصمت حكمة. ليس ذلك أمرا مشينا فحسب لكن الأهم أنه أنجع الطرق لديمومة الحجب. و يبدو أن الفضاء المدوناتي التونسي بلغ درجة من النضج التي تجعله لا يقبل بذلك.


لا يوجد أي تعليق


فضائية "الحوار" (لندن) حول الملف النووي الايراني---الاربعاء 31 مارس 2010.

الرابط أعلاه لفيديو المداخلة

سيكون هذا الملف في صدارة الملفات الدولية في الأشهر القليلة القادمة... موضوع أعد حوله مقالا (ينشر في الاسابيع القادمة) و قمت بمداخلة قصيرة حوله الاربعاء 31 مارس على فضائية "الحوار" (لندن).. أعتقد أن خطابي الرئيس أوباما و المرشد في سياق الاحتفال بعيد النوروز هذا العام (2010) كانا آخر المؤشرات على فشل مرحلة المفاوضات (سرية و علنية) التي انطلقت رمزيا بالتحديد في عيد النوروز الأخير (2009) بخطابين يركزان على "تغيير" العلاقة... فشل محادثات فيينا في أكتوبر 2009 كان بداية هذه المؤشرات... الآن التوقعات الأقرب و الأكثر واقعية هي أن العقوبات ستمرر لكن بمحتوى أقل بكثير مما تريد الادارة الأمريكية (في سياق مفازضات عسيرة مع روسيا و لكن خاصة الصين و حتى دول غير دائمة العضوية مثل تركيا و البرازيل) و بشكل متأخر (ليس مع نهاية شهر أفريل كما تريد الادارة الامريكية بل على الارجح مع شهر جوان)... و بالتالي الوضع يتجه نحو مأزق، إذ بعد فشل مرحلة المفاوضات ستفشل على الارجح مرحلة العقوبات الاممية لأنها ليست "قوية" حتى تكون مؤثرة و "ضعيفة" بشكل تعكس عبثيتها.. و هو مؤشر على وضع خطير للغاية في المستقبل القريب يخص المنطقة العربية و ليس علاقات إيران مع القوى الدولية فحسب


لا يوجد أي تعليق


طارق الكحلاوي
نشأ طارق في أحد مدن الضواحي مدينة رادس الواقعة في الجمهورية التونسية. يشغل الآن موقع أستاذ في جامعة روتغرز (قسمي التاريخ و تاريخ الفن). تلقى طارق تكوينه الجامعي في جامعة تونس (كلية 9 أفريل، إجازة و دراسات معمقة في التاريخ و الآثار) و جامعة بنسلفانيا (رسالة دكتوارة في تاريخ الفن). و يعلق بانتظام على القضايا و الاوضاع العربية باللغتين العربية و الانجليزية في مواقع و صحف مثل "الجزيرة.نت" و "القدس العربي" و "الحياة" و "العرب نيوز" و "ميدل إيست أونلاين"، و يكتب عمودا أسبوعيا في جريدة "العرب" القطرية. يكتب أيضا في قضايا ثقافية و نظرية تخص الاسلام المعاصر في المجلة البيروتية "الآداب". و تمت استضافته للتعليق في قناة "الجزيرة الفضائية" و قناة 13 "بي بي أس" (نيويورك).

Tarek Kahlaoui
Tarek grew up in the suburban city of Rades in Tunisia. He is currently an Assistant Professor at Rutgers University (a joint position in the Art History and History departments). Tarek graduated from the University of Tunis (Bach. and DEA in history and archeology) and University of Pennsylvania (Ph.D. in history of art). Tarek also comments regularly in Arabic and English on Middle Eastern issues and politics in Aljazeera.net, Al-Quds Al-Arabi, Al-Hayat, Arab News, and Middle East Online, and writes a weekly column for the Qatari newspaper Al-Arab. He also writes on intellectual and theoretical issues related to contemporary Islam in the Lebanese magazine Al-Adab. He was also invited to comment in Al-Jazeera Channel, and in Channel 13 (PBS-New York).