قضية حشاد 18 مارس.. قناة الجزيرة مباشر

شاركت منذ أكثر من أسبوع في برنامج خاص في "الجزيرة مباشر" حول قضية حشاد و رغم أن البرنامج كان فوضى عارمة و خاصة أن عدد المتدخلين فاق المساحة المتاحة إلا أنه في نهاية الأمر حلقة أخرى في مسار الحشد الاعلامي الايجابي لهذه القضية.. و لعبت الوسائط الاعلامية دورا حاسما في تنشيط هذا الملف برغم توفر المعطيات الأساسية حوله فيما قبل.. إذ تتفاعل قضية حشاد بشكل جدي و متصاعد و وصلت لأول مرة للقضاء بعد عشرات السنين من الانتظار... يجب أن أسجل هنا أهمية وسائل الاتصال الجديدة في التفاعلات الراهنة للقضية.. إذ أن عرض شريط وثائقي في قناة فضائية و ردود الفعل الأولى عليه بما في ذلك من كاتب هذا النص (هنا أو هنا مثلا) و خروج الأمر إلى الرأي العام النقابي و الوطني و موقع فايسبوك الخاص بحشاد الذي انضم اليه الكثيرون بسرعة و المدونة الجديدة الخاصة بحشاد و العريضة و حملة المقالات في مختلف المنابر استطاعت تحشيد الكثير من الناس و في النهاية إعادة فتح القضية و نقلها إلى مستويات قضائية في باريس... و ذلك برغم أن وسائل الاعلام الرسمية بقيت على الهامش من هذا الموضوع برغم أنها تتحمل المسؤولية الأولى في ضرورة تغطية قضية رمز وطني بحجم فرحات حشاد

و يحيلني ذلك على مقال صدر بأحد الصحف التونسية و التي قامت بالتهجم على القائمين من التونسيين و الحقوقيين الفرنسيين بقضية حشاد (أنظر هنا و هنا و هنا مثلا لمزيد التفاصيل)..
و المثير للانتباه أن هذه الصحيفة (التي تم التعرض لها و لشقيقتها بشكل متواصل في مدونة "بودورو"، على سبيل المثال هنا) من ذات نوع الصحف التي تقوم بالثلب بل و التخوين بشكل روتيني و دائما تحت ذريعة "الشعور الوطني".. غير أنها في هذه المرة صمتت كل هذه الشهور في هذه القضية المفصلية و الحاملة لدلالات كثيرة على مستوى "الغيرة الوطنية" و لم تقم بفتح ملف حشاد إلا من زاوية ثلب نقاببين و حقوقيين يقودون الجهود الخاصة بالقضية بل أن الأمر وصل إلى حد التهديدات المبطنة للأمين العام الحالي لـ"الاتحاد العام التونسي للشغل" و هو مقرب كما هو معروف (و بقية أعضاء المكتب التنفيذي المشاركين في تفعيل القضية) من السلطات الرسمية التونسية...

و هنا يجب أن أشير إلى أمر أساسي.. لقد تم انتقادي من قبل البعض عندما بادرت بالدعوة للتحرك من أجل تفعيل قضية حشاد إثر عرض شريط "إغتيال حشاد" (خاصة على فايسبوك إثر هذا المقال ثم إثر هذا النص) على اساس أني أساهم بذلك في تحويل الأنظار إلى مسائل ثانوية ستحاول من خلالها المركزية النقابية "تبييض سجلها"... و كنت أجبت بأن هذه قضية أكبر من الجميع و لا يجب التحجج بمحاولة البعض التمسح بها لكي نتجاهلها (كتبت مقال "الجزيرة نت" هنا للرد جزئيا على مثل هذه الرؤى)... و إذا كان لي من أي موقف تجاه قيادة "الاتحاد" فلن يكون بالتأكيد إيجابيا إذ لم أر من هؤلاء مثلا أي دعم و مساندة عندما تم الزج بوالدي في السجن في التسعينات... و سأكون آخر من يحمل مشاعر نبيلة تجاههم... و المصيبة الحقيقية أن البعض الذي يزايد منذ فترة حول هذا الموضوع كان متورطا إلى النخاع خاصة في مرحلة التسعينات مع المركزية النقابية (و أرجو أن لا يتحدث أي كان عن "عصر السحباني" و "عصر جراد" كأن الكثير من الوجوه المحتكرة للمواقع على مستوى المكتب التنفيذي و المتدوالة عليها ليست هي ذاتها طيلة العشريتين الأخيرتين)...

غير أن ذلك لا يعني بالنسبة لي أن العالم إما أبيض و إما اسود.. لا يوجد (أو من الصعوبة بمكان أن يوجد) أناس "اشرار" بشكل مطلق أو "أخيار" بشكل مطلق... خاصة إذا تعلق الأمر بسياقات سياسية و خاصة إذا تعلق الأمر أيضا بمسائل جامعة و ذات طابع وطني... و قضية حشاد تأتي ضمن هذا السياق.. لا يمكن فيها أن نحكم إلا على الأفعال.. إذا قام أي كان بأي مجهود في سياق تفعيل هذه القضية لا يمكن لنا إلا أن نعترف بذلك المجهود و ندعمه... و هذا لا يعني بأي حال من الأحوال التوقف عن مواجهة و نقد ما تقوم به المركزية النقابية بما في ذلك موضوع التمسك بـ"الفصل العاشر" و التداول الديمقراطي على المواقع القيادية في المنظمة... و على هذا الأساس فإن الثلب و التهديد المبطن للأمين العام للمنظمة الشغيلة بسبب الجهود التي يقوم بها بالتعاون مع حقوقيين فرنسيين ذوي صيت فيما يخص قضية حشاد هو عمل لا يمكن السكوت عليه... و كل من يصمت على ذلك بداعي تمسكه "المبدئي" بمعارضة المركزية النقابية إنما في النهاية لم يتعلم شيئا من حكاية الثور الأبيض.. إذ ما تم ثلبه هنا ليس شخصا بل ممارسة محددة و هي التعاون مع جهات حقوقية فرنسية نزيهة في سياق جهود جدية لإحياء ملف حشاد... و كل من يصمت هو في النهاية يوافق "مبدئيا" على هذه الممارسات


لا يوجد أي تعليق


خلال يوم 24 مارس الماضي حاولت منظمة "هيومان رايتس واتش" (مقرها المركزي نيويورك و هي منظمة حقوقية دولية يتم اعتماد تقاريرها من قبل الامم المتحدة مثلما تم في تقرير "غولدستوون" حول الحرب على غزة) عقد ندوة صحفية في تونس لعرض تقريرها حول "المساجين السياسيين السابقين" في تونس. منعت السلطات التونسية عقد الندوة بدعوى أنها "مخالفة للقانون". حضي الخبر بتغطية صحفية دولية واسعة طيلة الأيام الماضية: هنا في "رويترز" و هنا في "نيويورك تايمز" و هنا في "لوفيغراو" كأمثلة قليلة.

طبعا منظمة "هيومان رايتس واتش" لم تدخل بشكل سري إلى تونس بل بمعرفة و قبول السلطات التونسية. و لم تدخل لأغراض سياحية بل في سياق نشاطها الحقوقي و الذي كانت الندوة الصحفية تتويجا له و جزءا منه. مسؤولو المنظمة ذكروا أنهم أبلغوا السلطات التونسية بنيتهم عقد الندوة و أهم حاولوا القيام بذلك في أحد النزل لكنهم قوبلوا بالرفض مما أدى بهم لمحاولة القيام بالندوة في مقر أحد المحامين و الحقوقيين التونسيين و هو أيضا مكتب منظمة تونسية حقوقية.

محتوى التقرير الذي يتحدث عن معاناة المساجين السابقين الذين تم اعتقالهم في سياق انتمائهم لأطراف سياسية هو طبعا أساس الموضوع الذي يستوجب نقاشا جديا. الحكومة التونسية ترفض بشكل متكرر و بعناد تعبير "المساجين السياسيين" و تضع هؤلاء في سياق "مساجين الحق العام" و ذلك منذ بداية التسعينات. هذا السلوك الإنكاري (denial behaviour) يتناقض مع تفاصيل هذه القضايا و التي هي مؤسسة أحيانا كثيرة على نفس القوانين التي استصدرتها السلطات الاستعمارية الفرنسية و التي حاكمت بموجبها قادة الحركة الوطنية التونسية ("تعكير صفو النظام العام"، "إثارة الكراهية"...) و هي مبنية أحيانا كثيرة على أساس توزيع أو إصدار منشورات ذات طابع سياسي و بالتالي حتى بافتراض "مخالفتها القانون" (حسب تأويل السلطات) فهي بالأساس ذات طابع سياسي. و الأهم من كل ذلك أن هذه الملاحقات القانونية تتم في إطار وضع سياسي يتسم عمليا بحكم الحزب الواحد و بالتالي الطرف الوحيد المخول له بإصدار القوانين و التشريع هو الطرف الحاكم دون بقية الحساسيات السياسية و الفكرية. و رغم وجود حالة مسرحية من "التعددية" و مثلما أشرت سابقا (هنا) و مثلما بين خاصة علماء سياسة محترمون تنتمي بلادنا إلى نمط من الدول "التسلطية الهجينة" و في هذا النمط من الدول لا يمكن للقضاء عمليا أن يعمل بشكل مستقل و تصبح أي معارضة جدية في حالة استهداف بشكل آلي بما أنها ترفض الالتزام بوضع "المعارضة الطيعة" (أي المعارضة التي لا ترغب أن تكون معارضة) تحت تسميات "المساندة النقدية". و هذا يعني أن التوصيفات الصادرة عن السلطات التونسية لمعارضيها و الأهم ممارساتها معهم هي في أقل الأحوال تحتاج تمحصيا و نقاشا و ليست توصيفات محايدة و معزولة عن الوضع السياسي القائم.

و هكذا فإن أساس الموضوع في تقرير "هيومان رايتس واتش" أي وضع التهميش و الحرمان للمساجين السابقين في قضايا ذات طابع سياسي موضوع جدي و يستحق الاستماع و الانصات لجميع الأطراف المعنية و التعرض له في الاعلام المحلي و خاصة في الاعلام الممول من قبل دافعي الضرائب. و لم تتعرض له لأول مرة منظمة "هيومان رايتس واتش" بل تعرضت له منظمات دولية أخرى بذات المصداقية مثل "العفو الدولية"، و تعرضت له المنظمات الحقوقية التونسية مثل "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان" و منظمة "حرية و إنصاف". و هذا لا يعني أن ما تقوله المنظمات الحقوقية لا يستوجب التثبت و التمحيص و لكن لا يمكن ببساطة إنكاره تحت جملة من الشعارات مثل "الاستفزاز" و غير ذلك، بل يجب مواجهته بشجاعة.

ما حدث عمليا هو أن منع الندوة الصحفية، و الذي ترافق أيضا حسب عدد من الصحفيين مع منعهم من التجول و الالتحاق بالندوة، أصبح في ذاته خبرا مضافا على خبر التقرير. و هكذا إذا كان هناك سبب في البداية لتغطية صحفية دولية لتقرير "هيومان رايتس واتش" فقد أضاف المنع سببا آخر للمنابر الاعلامية الدولية لتغطية الخبر. إن المعضلة هنا تتعلق بسياسة إعلامية رسمية ترفض لأي كان في التحدث في شأن محلي سلبي في حين هي بذلك تدفع المنابر الاعلامية الدولية التي لا تستطيع أن تمنعها طبعا أن تتحدث في الشأن السلبي المحلي. و في النهاية فإن المواطن التونسي سيستمع إلى الأخبار السلبية سواء قبلت بذلك السلطات المحلية أم لم تقبل خاصة أننا نعيش حالة من الانسياب الاعلامي غير المسبوق و حتى لو تم حجب موقع إلكتروني فليس من الممكن حجب قناة فضائية. هذه السياسة العبثية تصل أحيانا إلى مستويات كاركاتورية عندما تم الاشادة (في صحف مقربة من السلطات الرسمية هنا) بتقرير منظمة "فريدوم هاوس" الأمريكية فيما يخص وضع المرأة التونسية في حين أن تقارير ذات المنظمة حول وضع الحريات السياسية في تونس لا يتم الاشارة اليها من قريب أو من بعيد بل أن موقع "فريدوم هاوس" محجوب في تونس بسبب تقاريرها حول الوضع السياسي.

أحد الجمل الثابتة التي يتم تكرارها بشكل آلي في الخطاب الرسمي، و الذي وقع في فخ الخطاب الاعتذاري و الدفاعي و هو وضع غير إيجابي أساسا، هي اتهام من ينتقدون الوضع السياسي القائم بأنهم "يشوهون صورة تونس في الخارج". لكن ما حصل مع تقرير "هيومان رايتس واتش" (و هي حالة مسبوقة بحالات أخرى و ليست حالة جديدة) يؤكد أنه لا يمكن لأي كان إن اراد أن يقوم بـ"تشويه صورة تونس" أن يقوم بذلك بالشكل و القدر الذي تقوم به السياسة الاعلامية الرسمية. و لو أن المسؤول عن الوضع السياسي القائم هو الحكومة القائمة و ليس تونس ككل (إذ لا يمكن لأي حكومة أو حاكم أن يدعي أنه يختزل بلدا أو وطنا حتى في أعرق الدول الديمقراطية) فإن هذه الممارسات الحكومية تؤثر على صورة البلاد ككل في نهاية الأمر.


عدد التعاليق: 1


كنت أشرت إلى مشاركة الوالد في منتدى الذاكرة الوطنية هنا. الحلقة الأولى التي ستتبعها حلقة ثانية (يوم 27 مارس و التي سيركز فيها على الفترة التي عاشها بنفسه) و رغم أن هذه الحلقة الاولى كانت تستهدف طرح قراءته و تأطيره لما سبقه (و هي قراءة ربما أختلف معه فيها في في المنهج و في بعض التفاصيل) فيما يخص تاريخ الاتحاد فإن البعض يبدو أنه أراد أن يصطاد في الماء العكر لأسباب تخصه (و تخص خاصة الصراع المتوقع في القريب حول المؤتمر القادم للاتحاد).. فصدر مقال ممضى من "أبو نزار" في جريدة الشروق هذه صورته


و تم فيه في هذا التقرير دس و إبراز كلمة "تدجين" في علاقة بتقييم دور الحبيب عاشور في الاتحاد العام التونسي للشغل و يبدو أن ماكينة دعائية سارعت للتحرك على تلك الخلفية لصب الزيت على النار.. و هو ما يبدو أن هذا الصحفي الآخر المقرب من أوساط معروفة يحاول القيام به في مقاله هذا في جريدة الصريح في الصورة أسفله


بالمناسبة تقرير جريدة الصباح (الصورة أسفله) على نفس المداخلة كان أكثر دقة


يمكن أن أضيف أيضا التقرير الصحفي الصادر في جريدة "الوحدة" لعادل القادري الذي وضعه مشكورا منذ قليل في فايسبوك (هنا) و الذي يتميز أيضا بالدقة. مداخلة الوالد تم تسجيلها من خلال جهازي كاميرا... أحد التسجيلين مع النقاش يتم تحميله و سيتوفر كاملا للعموم هنا
http://www.vimeo.com/user3371796
و لا توجد كلمة "تدجين" خاصة فيما يتعلق بالحبيب عاشور طيلة المداخلة... و في سياق التوضيح أعيد نشر مقاله الذي صدر اليوم الاربعاء 17 مارس في جريدة الشروق و الذي يوضح فيه علاقته المعقدة بالراحل الحبيب عاشور و التي كنت شاهدا على حلقتها الأخيرة بالمناسبة

....................................................

السيد أحمد الكحلاوي يوضّح: رغم الاختلاف كانت علاقتي بالحبيب عاشور قوية جدا انسانيا

الاربعاء 17 مارس 2010 الساعة 09:00:23 بتوقيت تونس العاصمة

نشرت جريدة «الشروق» تغطيتها لندوة الذاكرة الوطنية والنقابية التي تشرفت خلالها ـ باقتراح من مؤسسة التميمي ـ بتقديم شهادة تتعلق بالحركة النقابية وبالاتحاد العام التونسي للشغل وعلاقتهما بالحركة الوطنية وبدور ومواقف أهم الرموز الوطنية.
وللامانة اذكر ما يلي:
ان الندوة كانت علمية تبحث في احياء وتدوين الذاكرة الوطنية المهددة بالنسيان ولم تكن اجتماعا نقابيا او سياسيا وهي ليست مناسبة للتشهير او القدح في أي كان خاصة الرموز الوطنية حتى وان اختلفنا معهم وأود بايجاز شديد تقديم التوضيحات التالية:
ـ أولا: بخصوص ما جاء في التغطية (الأحد 14 مارس 2010) تحت عنوان «عاشور ساهم في تدجين النقابة» استطيع التأكيد ان مصطلح التدجين لم يرد مطلقا على لساني في الندوة العلمية المذكورة وللعلم فالندوة مسجلة بالفيديو وبالامكان الاطلاع عليها لمن يريد ذلك عبر الانترنات. فأنا نسبت له ـ وهو ما أقر به هو نفسه ـ الزج بالاتحاد في صراعات الحكم والدولة والخلافة منذ بداية الصراع البورقيبي اليوسفي في 1955.
ـ ثانيا: أن الرئيس بورقيبة لم تكن له أية علاقة بمؤتمر الاتحاد الذي تم في مارس 1951 ففي زمن حشاد لم يكن باستطاعة بورقيبة أو غيره التدخل في أمور الاتحاد.
ـ ثالثا: لست الأول أو الوحيد الذي ذكر أحداثا تاريخية حصلت في تاريخ القطر، فالأخ الحبيب عاشور قد قال بلسانه إنه نظم مؤتمر الحزب الدستوري يوم 15 نوفمبر 1955 واتخذ موقفا مساندا للرئيس بورقيبة ضد الزعيم صالح بن يوسف في موضوع العرض الفرنسي المتعلق بـ (الاستقلال الداخلي) ثم خرج عن الاتحاد ليؤسس اتحادا موازيا سمي (UTT) (انظر مذكرات الأخ ح. عاشور في كتابه بالفرنسية «حماس وخيبة أمل») وذلك على اثر تدخل بورقيبة في شؤون الاتحاد وقرر اقالة السيد أحمد بن صالح من الأمانة العامة للاتحاد وكان في مهمة نقابية خارج القطر (انظر مثلا شهادة عبد العزيز بوراوي المنشورة حديثا لدى مؤسسة التميمي للبحث العلمي سبتمبر 2009) ثم زج بورقيبة بالأخ ح. عاشور في السجن في ثلاث مناسبات وهو الذي ظل يسانده طيلة حياته...
ـ رابعا: لست في حاجة للحديث عن علاقاتنا بالأخ ح. عاشور التي تراوحت بين مد وجزر وقد تصارعنا معه في الاتحاد وهياكله وخاصة في الهيئة الادارية وكنا نعلم أننا في مواجهة رجل صلب وعنيد ورغم ما لحقنا من ضيم ومعاناة جراء طرده لنا من الاتحاد عديد المرات الا أننا لم نتخلف أبدا بل كنا في مقدمة المدافعين عن الاتحاد والعمال والدفاع عن الوحدة النقابية وبقية القضايا القطرية والعربية التي كان يختلف معنا وبدورنا كنا نختلف معه في الموقف منها. لقد عرفته اكثر بكثير من بعض المقربين منه وخاصة في سنوات عمره الأخيرة التي قضى بعضها في بيته بتونس دون أن يقوم آنذاك كثير من أولائك المقربين منه بزيارته أو السؤال عنه باستثناء البعض وجلهم من صفاقس وكان يطلبني لزيارته في بيته وكنت استجيب له دون تردد وكنت آخذه في سيارتي المتواضعة(الكاتريل) الى البحر او لقضاء شؤون خاصة به (علاج بصره) او لأقرأ له بعض مقالات الصحف عندما ضعف بصره وغير ذلك وقد ذكر لاحدى المجلات ان قليلا من الناس استمروا في زيارته ومنهم فلان (كاتب هذا التعليق) حتى أنه فاجأني ذات يوم لما طلب مني ان آخذه لزيارة العراق وتقديم السلام الى الرئيس الشهيد صدام حسين واكتفينا آن ذاك بكتابة رسالة خطية سلمناها للرئيس الشهيد الى غير ذلك من المسائل الاخرى ولم أنس أبدا ما ذكره لي وهو في لحظة مع النفس عميقة حيث قال بالفرنسية
(je suis en train de payer mes erreurs) وخلال «الخرجات» التي كنت آخذه فيها الى شواطئ قمرت وأميلكار... فقد كان يحب البحر، وكان يحدثني عن بعض النقابيين وغيرهم ممن يوصفون بالمقربين منه كيف كان بعضهم يختفي خاصة خلال الأزمات الكبرى وكيف تخلى بعض هؤلاء حتى عن زيارته خلال تلك الحقبة الصعبة من حياته ولن أزيد اكثر فالمجالس بالأمانات كما يقال.
وحول موضوع مساعي المصالحة التي عرضها الزعيم إبن يوسف على الرئيس بورقيبة، فإن الساحة في تونس وفي الوطن العربي وأرشيفات العالم لا تخلو من رسائل وبرقيات ابن يوسف لبورقيبة التي تعلقت بمواضيع الاستقلال والوحدة الوطنية وبالمقاومة وبالموقف من قضايا الوطن العربي وهذه إحدى تلك الرسائل:
«السيد الحبيب بورقيبة رئيس الحكومة التونسية:
تبعا لبرقيتي التي أرسلتها لسيادتكم في الخامس والعشرين من الشهر الجاري (أفريل 1956) ونظرا لتطور الحوادث ببلادنا وسائر بلاد المغرب العربي أعلن على الاشهاد الى حكومتكم الموقرة والى الشعب التونسي المكافح أن الظرف التاريخي الحاسم الذي تجتازه تونسنا العزيزة ومغربنا العربي والبلاد العربية قاطبة يفرض على شعبنا أن يتكتل في وحدة جبارة لا تترك ثلمة بين جماعات المعارضة وجماعات الحكومة، لتكن تونس حكومة وشعبا قوة هائلة تستطيع بالتعاون الوثيق مع الشقيقتين الجزائر ومراكش المناضلتين التغلب على الاستعمار الفرنسي الغادر الغشوم وطرده من أراضينا، يقف شعبنا المجاهد وقفة البطولة والفداء من الاعتداء الفظيع على سيادتنا وأراضينا غير آبه بالقوانين والمواثيق الدولية التي جعلت من الاعتداء على أراضي الدول ذات السيادة جريمة تثير سخط الضمير العالمي وتفرض على مجموعة الدول الموقعة لميثاق الأمم المتحدة أن تقتصّ من الدولة المعتدية فتهبّ لمناصرة الدولة المعتدى عليها وتقضي على العدوان قضاء مبرما ويرسل شعبنا المجاهد دماءه كل يوم لصدّ العدوان الفرنسي وإرغامه على الجلاء عن أراضينا وإني لأنحني في خشوع وإجلال أمام ضحايانا الأبطال الذين يستشهدون ابتغاء مرضاة الله وفي سبيل عزّة الوطن وكرامته.
لقد أصبحت تونس تتمتع بكيان قانوني في الميدان الدولي مما ساعد حكومتكم الموقرة بعد أن خطت خطوات موفقة للذود عن حياض الوطن على أن تخطو خطوات إيجابية في الميدان الدولي فتبادر بإثارة اعتداء فرنسا على بلادنا أمام مجلس الأمن وذلك تعزيزا لكفاح الشعب في جهاده المستميت، واللّه نسأله أن يمدنا بروح من عنده وأن ينصرنا في جهادنا المقدس لتخليص وطننا العربي الأكبر من جميع قوى البغي والشر».
احتراماتي.. صالح بن يوسف.
إن الهدف من رواية الأحداث الوطنية والقومية وقراءتها بمسؤولية الهدف منه الاستلهام من نضالات الرواد ومن مواقفهم لتجذير الأبناء والأحفاد في هويتهم وانتمائهم وليس التشهير بهذا أو ذاك.
تفضّلوا بقبول تحياتي والسلام عليكم.

أحمد الكحلاوي


عدد التعاليق: 2


سأشارك غدا من واشنطن في ندوة على قناة "الجزيرة مباشر" تحت عنوان "اغتيال فرحات حشاد بين عدالة الحقيقة وعدالة القانون"... يوم الخميس 18-03-2010 الساعة الخامسة إلى السابعة مساء بتوقيت تونس... و أصبحت القضية تتفاعل بشكل عملي خاصة أمس الثلاثاء عندما تم تقديم طلب رسمي للعدالة الفرنسية لملاحقة أنطوان ميليرو (هنا)... للتذكير بالموضوع و بداية تفاعلاته أنظر على هذه المدونة هنا.. و بالنسبة للموضوع عموما كنت كتبت تحليلا مطولا على "الجزيرة.نت" أنظر هنا.. و يمكن زيارة المدونة الخاصة بهذا الموضوع (هنا) أو مجموعة فايسبوك (هنا) للمزيد


لا يوجد أي تعليق


فيما يلي نص الدعوة لسمينار الذاكرة الوطنية التي أرسلها الدكتور عبد الجليل التميمي و الذي سيتحدث فيه والدي، أحمد الكحلاوي. من موقع اشتغالي بحقل التاريخ و اهتمامي بتاريخ الزمن الحاضر و خاصة لمعاشرتي لجزء من نشاط الوالد النقابي و السياسي (و الذي ترك في كبير الأثر) كنت دائما أحثه على قبول هذه الدعوة (التي تجددت خلال السنين الفارطة أكثر من مرة)... لن تكون هذه المداخلة سيرة شخصية (يكتب الوالد بالمناسبة مذكراته) و لكن قراءة من زاوية الفاعل التاريخي في سيرة واحدة من أهم النقابات التونسية كما و نوعا و هي النقابة العامة للتعليم الثانوي.. كما أنها صادرة عن أحد رموز تيار سياسي و فكري (من بين طيف واسع من التيارات السياسية و الحساسيات الفكرية المتنوعة و المتقاطعة) و مرحلة عانت الكثير من الصمت و التهميش خلال العشريتين الماضيتين (و لنأمل أن نرى رموزا أخرى تمثل هذه التيارات و المرحلة تقدم شهادتها)... و هي بهذا المعنى تكتسب أهميتها بمعزل عن الاتفاق أو الاختلاف مع طريقة قراءتها للاحداث، مثلما هو حال أي شهادة تخص تاريخ الزمن الحاضر.. لدواعي التواجد خارج الوطن للأسف لن أكون قادرا على الحضور و هو الأمر الذي يحز في نفسي كثيرا


سيمنار الذاكرة الوطنية وتاريخ الزمن الحاضر مع الأستاذ أحمد الكحلاوي
حول نقابة التعليم الثانوي ودوره النقابي والوطني يوم 13 مارس


أثير في عديد سيمنارات الذاكرة الوطنية دور نقابة التعليم العالي الفاعل في الدفاع عن الجامعيين. وقد تولى الكتاب العامون، المنتخبون سرد هذه الأنشطة النقابية وتداعيات ذلك وكيف عوملت النقابة في عديد الفترات بقسوة بالغة وأدت إلى محاكمة العديد من الجامعيين النقابيين.

إلا أننا لم نتمكن من دعوة الفاعلين في صلب نقابة التعليم الثانوي، وهي التي قامت بأنشطة توعوية شاملة للدفاع عن حقوق هذه الشريحة القاعدية الواسعة من أساتذة التعليم الثانوي، وحيث غيب دورها نسبيا خاصة عندما تبنت الاضرابات للمطالبة بالحقوق وسوف نتوقف عن آليات هاته النقابة من خلال شهادة أحد فاعليها البارزين وهو الأستاذ أحمد الكحلاوي.

والأستاذ أحمد الكحلاوي مولود بالمكنين سنة 1946، وتخرج من مدرسة ترشيح الأساتذة المساعدين التابعة لدار المعلمين العليا بتونس في جوان 1970 وقد نشط ضمن الحركة الطلابية وتعرض للإيقاف على إثر مظاهرات وأحداث 1967-1969، ومنذ انخراطه في الاتحاد العام التونسي للشغل في أكتوبر 1970، تولى مسؤولية كاتب عام النقابة الجهوية للتعليم. ولعل أول إضراب للعمل في الوظيفة العمومية تم بالقيروان في مارس 1973. كما انتخب كاتبا عاما سنة 1974 وقاد إضراب التعليم الثانوي التقني في 1976 من اجل مطالب مهنية وتضامنا مع نقابيي الثانوي 1975، إلا أنه بعد ذلك أطرد بمعية أعضاء نقابته من الاتحاد واستمر الطرد وأغلق مقر النقابة. وفي سبتمبر1976 تاريخ دعوته من طرف الحبيب عاشور، الذي مكنه من تنظيم ندوة حول قضية فلسطين قبل ذهاب السادات إلى القدس.
وعلى إثر التصدع الخطير الذي عرفته الساحة النقابية إثر اضراب جانفي 1978 والحوادث التي تلته، تعرض الأستاذ الكحلاوي إلى السجن والمحاكمة والطرد مع ثلاثين عضوا من اعضاء الهيئة الإدارية التي تمثل قيادة الاتحاد. إلا أنه بعد ذلك أعيد انتخابه كاتبا عاما للنقابة الوطنية للتعليم التقني وشارك في إعادة هيكلية الاتحاد مقاطعا مؤتمره بقفصة 1981.

وبعد سلسلة من الإضرابات ذات الطابع المهني والبيداغوجي خلال سنة 81-82 التي نفذتها نقابات التعليم الثانوي مجتمعة ، سيتم انتخابه أول كاتب عام للنقابة العامة الموحدة سنة 1983. ودخل في صراع جديد مع الحبيب عاشور بسبب سياسة المهادنة تجاه حكومة مزالي في أول الأمر، وهو ما أدى إلى طرده من الاتحاد وسيعقبه طرد مئات من النقابيين بالتجريد من طرف الحبيب عاشور على إثر حوادث 01 ماي 1983 ببورصة الشغل. وفي إطار انتفاضة الخبز.شنّ الأستاذ أحمد الكحلاوي إضرابا سياسيا استنكارا لاغتيال الأستاذ فاضل ساسي بوسط العاصمة ثم اعتقل خلال أزمة الاتحاد (الشرفاء) سنة 1985 وتعرض للمحاكمة والطرد من العمل خلال 3 سنوات.
ومع هذا يعاد انتخابه كاتبا عاما للنقابة العامة في سنة 1988، إلا أنه من جديد دخل في صراع مع الأمين العام الجديد اسماعيل السحباني الذي نظم مجلسا قطاعيا اتخذ قرار حل مكتب النقابة العامة وعزل كاتبها العام – أحمد الكحلاوي- ونصب لجنة موالية.

ومنذ 1991، شغل مهمة منسق الهيئة الوطنية لرفع الحصار عن العراق وتحمل مسؤولية نائب الأمين العام لمؤتمر القوى الشعبية العربية ببغداد، وفي شهر فيفري 1994 قاد مظاهرة بتونس احتجاجا على مجزرة الحرم الإبراهيمي، إلا أنه حوكم بسبب ذلك و قضي 3 سنوات سجنا وغرامة مالية ويطرد من عمله لمدة 7 سنوات وقد وزع بيانا خلال المسيرة بعنوان : (الموت للصهيونية) . وقد عمل عضوا بمؤتمر القوى الشعبية العربية ببغداد وشغل مسؤولية عضو بأمانته العامة كما التحق كعضو بالمؤتمر القومي العربي منذ سنة 1996 ثم عضوا بالأمانة العامة في مؤتمر الخرطوم في أفريل 2009.

ولا شك أن ذاكرة الأستاذ الكحلاوي غنية جدّا ومتنوعة وغطّت ليس فقط الفضاء النقابي المحلي، بل تحاور ذلك إلى العمل القومي العربي وأنه بحكم هذه المسيرة النقابية خلال أربعة عقود كاملة، فإن شهادته سوف تثري المشهد النقابي الوطني والعربي عموما، وقد حرصنا على دعوته لينقل جزءا من مسيرته تلك.
والدعوة موجهة إلى جميع المهتمين والمعنيين لحضور هذا السيمنار ابتداء من الساعة 9.00 صباحا.

الأستاذ عبد الجليل التميمي

حول "مؤسسة التميمي للبحث العلمي و المعلومات"

العنوان
Immeuble Al-Imtiaz – Centre Urbain Nord- (Face à l’INSAT) – 1003 Tunis
Tél : 00216 71 23 14 44 ou 00216 71 75 11 64


عدد التعاليق: 2





--هذا النص مكتوب ليُقرأ مع المقطع أعلاه: "مسيرة الجنازة" لفريديريك شوبان—


في توقيت غير معروف يوم 5 فيفري 2010 تم الاستفراد بمدونة "أفكار ليلية" و قطع صلتها بتونس... و هكذا تم فرض شرط أساسي لتقضي مدونة نحبها: فصلها عن وطنها.

سبق أن حاججت على تشبيه حجب موقع الكتروني في تونس بحالة النفي، و من ثمة نفي كاتبه بما أن النص هو جزء لا يتجزأ من ذواتنا، به و من خلاله نصنع بعض وجودنا. الآن أريد أن أذهب أبعد: نفي مدونة تونسية عن أرضها يفقدها الحاجة للوجود.

إذا كنا، كذوات بشرية، و عند النفي القسري، نستطيع البقاء لأسباب معقدة فيها ما يتعلق بالحاجة و فيها ما يتعلق بالفانتازيا، فإن منبرا تفاعليا يخضع لشروطه الخاصة. المدونة تتنفس لأنها نص الكاتب من جهة و مقروء و محط تعليق القارئ من جهة أخرى. المدونة التي تتعلق بالشأن العام لبلدها، مثلما كانت الفقيدة "أفكار ليلية"، لا تتنفس بسبب ما يخطه عليها كاتبها فحسب بل أيضا بسبب قابليتها للقراءة و بما هي نقطة تفاعل من قبل متلق يوجد أولا و أخيرا في تونس. النفي القسري للمدونة، في هكذا حال، يعني إصدار حكم بالاعدام.

نريد أن نسخر من الرقيب. بل يجب أن نسخر من الرقيب.

لكن الحجب ليس زرا. الحاجب ليس سائق سيارة عتيقة.

الحجب لحظة إعدام. و الحاجب جلاد على أعتاب مقصلة.

الرقيب على الانترنت جلاد الكتروني.

غير أنه جلاد من نوع خاص. إذ هو لا يحجب فحسب بل يسطح (trivializes/banalise) ذاته.

تكرار الحجب، مثل تكرار القتل، يسطح فظاعتهما. يجعل وقعهما شأنا روتينيا نتلقاه بدون مشاعر. وقع الحجب يصبح حينها مثل ترشف قهوة بدون مذاق، و قراءة صحيفة يومية صدرت الاسبوع الماضي. مثل تدخين سجائر مغشوشة. مثل الاستماع إلى نشرة أنباءالساعة الثامنة. مثل صوت الفراغ. مثل صمت أقصى الليل. مثل حديث الجيران. مثل أكل وجبة معلبة في العشاء و لحظة الارتخاء الباهتة التي تليها. مثل رحلة رتيبة في قطار الضاحية الجنوبية.

تسطيح الحجب يشرعن الحجب لأنه يسطح فظاعته و يجعله شأن روتينيا لا يحتاج الانتباه. و بهذا المعنى فإن الصمت و دعوات الصمت و السقوط في فخ التعود و استصغار شأن الحجب، كل ذلك، بدون استثناء، جزء من آلية تسطيح الحجب. أول خضوع للحجب هو قبوله مثلما يرغب الحاجب أن يبدو، أمرا روتينيا لا يحتاج أن نتوقف عنده.

في المقابل رفض الحجب يجب أن يعني تحديدا رفض تسطيحه. أن يصبح حجب أي موقع اعلامي الكتروني، أي مدونة، أي صفحة في فايسبوك حدثا يحتاج التوقف. يجب أن يتم "الشعور" به، و بأنه تحديدا فعل فظيع و فاضح. استباحة لدماء الكترونية. و اغتصاب لحالة فكرية.

يجب أن يصبح فرصة لنتذكر أن السلطة المتغولة للرقيب الالكتروني التونسي حالة فريدة حتى بالمقياس العربي. إذ الحجب السياسي حالة جد استثنائية في دول مثل مصر و المغرب، حيث يصل الأمر إلي حد حجب (سجن) المدون و لا يتم حجب المدونة (يجب التذكير أن أكثر مستعملي البروكسي في المغرب الكبير من التونسيين). طبعا سيطل علينا حينها الرقيب، من خلال أعوانه (للرقيب ماكينة تتجاوز المقصات إلى الأبواق)، طالبا منا أن نحمدل و أن نستعوذ، "إذ أننا هنا محظوظون، لا نُسجن بل نُحجب فقط". غير أن هذه الامثلة العربية تعكس فضاحة حالة الحجب، و كم البؤس التي تتضمنها، و مستوى الرعب من الكلمة، و ليست مدعاة للتفاخر. كما أن تخيير صاحب الرأي و الكلمة، في هذه الحالة المدون، بين حجبه أو حجب مدونته يقترب من الكوميديا السوداء.

يستحق كل موقع و منبر و مدونة متوفاة جنازة. جنازة ليس للعويل بل للتعبير عن الرفض. رفض القوي و ليس الضعيف: هل يمكن أن يكون الرقيب قويا و هو الذي يرتعب من الكلمة؟ و هل يمكن أن يكون المحجوب ضعيفا و هو الذي يملك كلمة تخيف؟ الخوف في مرمى الرقيب و ليس في مرمى من هو مستهدف من الرقيب. تلك المفارقة التي لا يجب أن ننساها، في رأيي.

هناك مفارقة أخرى لا يجب أن ننساها أيضا: بداية نهاية الرقيب الالكتروني السياسي هو فرض الاعتراف بوجوده. إذ أن وجوده المتواري، البعيد، المخفي وراء حجاب السرية، و من ثمة بوصفه خارجا عن القانون، يجعله خارج دائرة المراقبة. إذ لا يوجد من يحتاج الرقابة أكثر من أولائك الذين يستحوذون على صلاحيات الرقابة. إذ أن رقابة السلطة تحتاج دوما سلطة الرقابة، و الرقابة المضادة، حتى يمكن لها الاستمرار و الامتناع عن خلق ما يستحث وضع الخروج عن القانون.

حاول و سيحاول أعوان و منظرو الرقيب تلقيننا دروسا في سوريالية "رفض الحجب" في أن "الحجب كوني" و ليس استثناءا تونسيا. و لأن العالم ليس "إما أبيض و إما أسود" فإننا إزاء نقاش أكثر تعقيدا مما يريدنا هؤلاء أن نعتقد. كنت أجبت بالتفصيل على بعض هذه الدروس خلال رد على مقال كتبه أحد المبررين و الذرائعيين منذ أكثر من العام. و في الحقيقة النقاش التونسي حول الحجب ليس (إلى حد الآن) حول مدى حدود سلطة الرقيب و لكن حول طبيعة وجوده غير المؤسساتية.

.....................

إذا سأشيع "أفكار ليلية" إلى مثواها الأخير لكي تولد "أفكار ليلية" جديدة. سأقوم بجنازة مكتملة الشروط. سأختار الصندوق المناسب و الكفن المناسب، سأغسلها بيدي و أخضب يديها بالحنة. سأخير لها مكانا جميلا في أحد هضاب مقبرة شهيرة. ربما تحت ظلال شجرة. ستكون إلى جانب أخواتها من جثامين مدونات أخرى كثيرة، و مواقع أخرى كثيرة. في كل الأحوال لن أسمح بدفنها في صمت و دون الشعائر المناسبة. و سأفعل الشيء ذاته مع كل وفاة جديدة.

هل نبالغ إن قمنا بذلك؟ لا، البتة، لا نبالغ لأن الحجب حدث جلل. لأن الحجب يعني الحصار. يعني أن لا نكتب في أي موضوع نراه مناسبا و لا يراه الحاجب كذلك. و هكذا الحجب السياسي/غير المؤسساتي ليس موضوعا آخر بل هو، الآن و في هذه اللحظة، موضوع المواضيع بالنسبة لكل من اختار أن يكتب. من يتجاهله إنما يتجاهل نفسه.

هل نحتاج لتجديد وسائل الاحتجاج عليه، لاستنباط أشكال أكثر نجاعة لفضحه؟ بكل تأكيد. لكن أكثر المواقف مدعاة للشفقة هي خضوع المحجوب لخطاب الحاجب، قبوله بشرعية الحجب و أن يرى في الصمت حكمة. ليس ذلك أمرا مشينا فحسب لكن الأهم أنه أنجع الطرق لديمومة الحجب. و يبدو أن الفضاء المدوناتي التونسي بلغ درجة من النضج التي تجعله لا يقبل بذلك.



عدد التعاليق: 4



كانت هذه ملاحظات أولية كتبتها ببعض الاستعجال تعليقا على نص (تم نشره في فايسبوك) يعرض لمحاضرة قدمها الدكتور عبد المجيد الشرفي في منتدى "التقدم" التابع لحزب الوحدة الشعبية (تونس). برغم أنها لا تستقيم بعد كنص لمقال رأيت أن أنشرها لعلها تكون أساسا لمقال أكثر تركيزا على موضوع المحاضرة.

................................................................

مع احترامي للدكتور الشرفي كمثقف و اكاديمي قدير (و طبعا بناء على أن ما تضمنه النص المشار إليه أعلاه هو تحديدا ما ورد على لسان المحاضر) لدي بعض الملاحظات (من جملة ملاحظات كثيرة لا أستطيع التفصيل فيها نظرا لضيق الوقت).. و الملاحظات أسفله سأنشرها في نص خاص نظرا لطولها: أبدأ من الفقرة الأولى

أكد في بدايتها على ضرورة رفع الالتباس الذي يحوم حول المفهومين اللذين كثر تناولهما من دون معرفة حقيقية أو خلفية تاريخية. في حين أنه من الذين يولون أهمية كبرى للتاريخ بمفهومه الواسع باعتباره يفسر لنا الحاضر ويمكننا من استشراف المستقبل، مشيرا كمثال إلى عجز الخبراء الأمريكان الذين كانوا "مختصين" في إيران عن فهم حركة الخميني عند قيامها رغم معرفتهم الدقيقة بواقع إيران وذلك لجهلهم في الأغلب بتاريخها و العوامل التي كانت مخفية ثم برزت إلى السطح.


هنا ملاحظتين:

الأولى... يجب القول أن المحاضر ليس و لم يكن أبدا مؤرخا... أعتقد أنه حان الوقت في تونس لمواجهة سؤال أساسي: ما هي العلاقة بين الاختصاص الذي يتم تسميته بـ"الحضارة" (civilization) و التاريخ.. و تبدو لي هذه العلاقة في الحقيقة غامضة... ليس لأن تعريف هذا الاختصاص يبدو مبهما (خاصة أني لا أجد له أثرا واضحا في جامعات مرجعية أسست للحقل الاكاديمي الحديث) بل أيضا لأن التركيز على محتوى نصوص من يشتغلون عليه (في السياق التونسي مثلا) يبدو اشكاليا إذ يستأنس بالمعطى التاريخي دون التحقيق و التدقيق اللازمين في سياق مناهج علم التاريخ المتعارف عليها حديثا

الثانية.. بالنسبة لموقف من سماهم المحاضر بـ"الخبراء الأمريكيين" في الشأن الايراني و فشلهم في فهم إيران بسبب فشلهم في فهم التاريخ الايراني (حسب رأيه).. طبعا سأعتبر أن من يقصدهم المحاضر هم "الخبراء" الملحقين بأجهزة الدولة السياسية و الامنية (بما في ذلك و لكن ليس فقط "خبراء" وكالة الاستخبارات المركزية).. و هنا يوجد ما أعتقد أنه إشكال رئيسي و متكرر نوعا ما في كلام المحاضر..و هو تهميش المعطى السياسي... إذ هذا التقييم للفشل الامريكي السياسي قبل الثورة الايرانية لا يأخذ بعين الاعتبار ما يطلق عليه البعض "ايديولوجيا السلطة".. إذ أن انتقاء "خبراء" السلطة (بما في ذلك سلطة حديثة و ديمقراطية بالمقياس التاريخي الراهن مثلما هي السلطة السياسية في الولايات المتحدة) لا يتم بناء على "خبراتهم" فحسب بل و خاصة على أساس ولائهم الفكري لمشروع الدولة.. في هذه الحالة (أي الحالة الامريكية) مشروع الدولة التوسعية.. و بناء ربما على وجودي في الحقل الاكاديمي الامريكي و معرفتي به يمكن أن أشير إلى أن هناك الكثير من "الخبراء" الاكاديميين الامريكيين الذين يعرفون جيدا التاريخ الايراني و علاقته بالواقع السياسي الدولي إلا أنهم ليسو في مواقع القرار أو مقربين من مواقع القرار لسبب بسيط.. و هو أنهم يحللون بشكل منفصل (منهجا و نتائجا) عن المشروع التوسعي.. و بالتالي الخبراء الحكوميين الذين فشلوا كان ذلك ليس في اعتقادي لسبب معرفي (عدم معرفتهم بالتاريخ الايراني) بل لسبب سياسي أي ولائهم لمشروع توسعي لا يمكن أو لا يستطيعون رؤية مساوئه الاستراتيجية و بالتالي ردود الافعال التي ينتجها.. و هذه بالمناسبة ليست حالة فريدة بإيران ما قبل الثورة.. بل ايضا بالتقييمات التي وردت عن "خبراء" في الشأن العراقي قبل عملية الغزو الأخيرة.. و عموما بحالات كثيرة أخرى تصطدم فيه مصلحة الدولة التوسعية بمعطيات موضوعية تشير لدي أي خبير "مختص" في هذا الشأن أو ذاك إلى المأزق المحتوم لتلك السياسة أو غيرها.

أيضا يقول المحاضر

وفي هذا السياق أعاد التأكيد على رأيه المثير للجدل بأن الحضارة العربية الإسلامية قد اندثرت وماتت مثل كل الحضارات الماضية الفرعونية واليونانية والبابلية والاشورية... فنحن اليوم نعيش في ظل حضارة أخرى هي الحضارة الحديثة، وإن بقيت ثقافتنا، مشيرا إلى أن كل حضارة دون استثناء لا يمكن أن تنشأ إلا إذا تبنت مكتسبات الحضارة التي سبقتها.

لا أدري فعلا إن كان المحاضر استعمل كلمات مثل "اندثرت" و "ماتت" لكن في جميع الأحوال يبدو لي ذلك أمرا مشطا للغاية.. و كذلك تبدو لي المقارنة مع الحضارات الفرعونية و الاشورية و البابلية.. و في الحقيقة نقاش هذه النقطة مثال على اشكالية بعض المفاهيم بالنسبة للمشتغلين في اختصاص "الحضارة" خاصة المفاهيم المتعلقلة بالمراحل التاريخية و "الحداثة" ذاتها مرحلة تاريخية و كذلك الطابع التاريخي لمعنى الحضارة ذاتها

دعني هنا أؤكد على أمر أساسي (على اعتبار أننا متفقون أصلا حول معنى مصطلح "الحضارة" الذي نستعمله هنا و هو ما سأعود إليه لاحقا) و هو أن "الازدهار الحضاري" الذي يمكن أن نصفه بـ"العربي" و/أو "الاسلامي" في بعض مراحل التاريخ ما قبل الحديث (بعض الفترتين الاموية و العباسية و الفاطمية و الاموية في الاندلس و بعض حتى فترات ملوك الطوائف في الاندلس و بعض العثمانية و الصفوية.. إلخ للذكر لا الحصر) لم يكن دائما و ثابتا و حتى لم يعم ضرورة كافة مناطق مجال محدد في فترة تاريخية محددة.. كما أنه من البديهي أن الحضارة الأوروبية الغربية ثم الامريكية ثم الآسيوية الحديثة هي مكون أساسي من مكونات حياتنا المعاصرة.. و لا يمكن لحياة العرب و المسلمين المعاصرة أن تستمر أو توجد بدون تلك المكونات... و برغم بديهية هذا الأمر اعتقد أننا نحتاج التأكيد عليه حتى ننطلق من أسس واضحة في نقاش هذا الموضوع

لكن الحديث عن "موت" و "اندثار" المعطى الحضاري بالنسبة لشعوب و مجموعات سكانية مازالت على قيد الحياة أمر إشكالي للغاية... و هنا ربما الاشكال هو غموض مصطلح "الحضارة" و أيضا العلاقة بين "الحداثة" كمرحلة تاريخية مخصوصة و الطابع الثقافي المخصوص الذي يمكن أن يطبع مصطلح "الحضارة" بماهي حالة لا تختص في المقابل بالمرحلة الحديثة... لنأخذ مثلا من الماضي لتوضيح أهمية تحديد هذه المفاهيم و العلاقات فيما بينها: إذا اتفقنا أنه كانت هناك "حضارة عربية اسلامية" (و يبدو أن المحاضر يقر بوجودها بمعزل عن تحديد الزمان و المكان) فإن ذلك لا يعني أن من احتك أو استفاد إلى هذا القدر أو ذاك بمنتجات نلك الحضارة فقد خصوصية واقعه الحضاري و أضحى ضمن مجال "الحضارة العربية الاسلامية".. و هكذا فإن الحضارات المجاورة للحضارة العربية الاسلامية (في أزمان ازدهارها) مثل الحضارة الأوربية الوسطية و حتى الحضارة الصينية (و هما الحضارتين التين كانا على خط التماس، صراعا أو تلاقحا، مع الحضارة العربية الاسلامية في الفترة ما قبل الحديثة) حافظا على خصوصيتهما برغم الريادة التي ميزت الحضارة العربية الاسلامية في بعض الفترات... الخلاصة التي أحتاج التأكيد عليها هنا: إن الفعل الحضاري هنا ليس فعلا ثقافيا فحسب بل هو كوني (حتى في الفترة ما قبل الحديثة) لكن برغم ذلك محدود (بالمعنيين السلبي و الايجابي للكلمة) بالخصوصيات الثقافية لحاملي ذلك الفعل الحضاري بما يجعله مخصوصا في نهاية الأمر.. فمنتجات و إسهامات حضارة ما كانت دائما (في المراحل ما قبل الحديثة و المرحلة الحديثة على السواء) كونية غير أن استعمالاتها من قبل مجالات لا تنتمي إلى مجال إنتاجها الأصلي لا ينزع عن ذلك المجال واقع فعله الحضاري سواء من جهة خصوصيته الثقافية (وم بالتالي تأويله و استعماله المخصوص لهذا و ذلك المنتج) أو من جهة الظروف التاريخية و البيئية الطبيعية التي تفرض عليه اهتمامات خاصة و حاجات خاصة.

وجدت حضارات متفوقة قبل الفترة الحديثة. و كان لديها اسهامات ذات طابع كوني (و منها الحضارة العربية الاسلامية). لكن ذلك لم يؤد إلى "اندثار" حضارة مجموعة بشرية ما كانت آنذاك على قيد الحياة و بصدد الانتاج و الاستهلاك بسبب أنها كانت جزئيا تقوم باستهلاك معارف و منتجات الحضارة المتفوقة.

لنأخذ الآن مثلا من المرحلة الحديثة و بالتحديد المعاصرة لتوضيح نفس الفكرة بأمثلة مختلفة: برغم كل مساوئ الدولة ما يعد الكولونيالية في المجال العربي بما في لذك التونسي فإننا لا يمكن أن ننفي توسع و تحديث المدن و توسع و تحسين مختلف الهياكل التي تسمح بحياة أفضل (نسبيا طبعا من السابق). و بهذا المعنى هناك حضارة في مجالات يسكنها عرب و مسلمون. و بالتأكيد جزء هام من "أصول" تلك الحضارة و أيضا ما تستهلكه كان ممكنا فقط بسبب أمرين: فيض و تحسن الانتاج الذي سمحت به خصائص المرحلة الحديثة (و فاعليته الكونية بمعزل عن الأصل الجغرافي و لكن أيضا هذه الاساهامات ذات الطابع الخاص بمرحلتنا التاريخية أي المرحلة الحديثة كانت ممكنة فقط بسبب مجالات حضارية محددة هيمن فيها في البدئ المجال "الابيض-الغربي" غير أننا نشهد الآن توسع مجالات الحضارات المتفوقة إلى المجال الآسيوي.

و هذا يعني أننا إزاء وضعية معقدة: إذ أن الحضارة المعاصرة هي في ذ ات الوقت تتصف بطابع كوني (حداثي تحديثي) إلا أنها واقعيا غير ممكنة خارج مجالات حضارية لا يمكن تعريفها دون الالتجاء إلى معطيات أخرى هي أساسا ثقافية ترجع حتى إلى الفتراات ما قبل الحديثة.

و بهذا المعنى لا يمكن الحديث عن "حضارة حديثة" كأنها ذات هوية كونية مطلقة. إذ أن ذلك التوصيف يعني تجاهلا لواقعية الخصوصية الثقافية التي لازالت تحدد اتجاه هذه الحضارة أو تلك. فوجود أناس بخلفيات ثقافية متنوعة يجعلنا إزاء وجود حضارات و لو أنها متقاطعة بسبب الجدوى الكونية لمنتجات و معارف المرحلة الحديثة. متقطاعة و ليست متطابقة.

و بهذا المعنى فإن هناك حضارة عربية اسلامية مادام لازال هناك مجموعة أو مجموعات سكانية تنظر إلي نفسها ضمن هذا التوصيف الثقافي. و مادامت مثل هذه المجموعات موجودة و تنتج ما تنتج (مهما كان نسبيا قليلا أما تنتجه المجالات الحضارية المتفوقة) و تستهلك ما تستهلك فإننا إزاء حضارة عربية اسلامية لازالت على قيد الحياة. هي حضارة عربية اسلامية لكن حية و مستمرة جزئيا بسبب الجدوى الكونية لمنتجات و معارف المرحلة الحديثة، و هي منتجات و معارف تمت في مجالات حضارية أخرى. لكن بهذا المعنى يمكن أيضا الحديث عن "حضارة تونسية" إذا كان التونسي ينظر إلي نفسه على أنه "تونسي" بالاضافة لكوني "عربي" و/أو "مسلم".. و إلي غير ذلك من الأمثلة الخاصة بالمجال العربي.

و بهذا المعنى أيضا تبدو المقارنة مع الحضارات الفرعوينية و البابلية و غيرها من الحضارت غير مناسبة. إذ أنه لا يوجد (أو يوجد القليل جدا من الناس الأحياء) في مرحلتنا المعاصرة ممن يعرفون أنفسهم بوضوح (لنضع جانبا خطاب الشعبوية السياسوية المناسباتية مثلا في الحالة المصرية) و لكن الأهم أيضا يمكن أن نعرفهم جزئيا بناء على معطيات ثقافية موضوعية (لغة، عادات..) على أنهم هكذا "فرعونيون" أو "بابليون".. إلخ

إذا بشكل عام يمكن أن نقول الآتي.. الحضارة لا يجب أن تكون دائما متفوقة و لا يجب أن تكون دائما منتجة أكثر من استهلاكها. و هي موجودة ليس بسبب منتجات و معارف كونية فحسب بل بسبب خصوصيات ثقافية ترجع الى المرحلة ما قبل الحديثة. كما أن المرحلة الحديثة برغم كونية منتجاتها المادية و المعرفية لم تقم بإنهاء تنوع الحضارات.


عدد التعاليق: 1


رواية "العطر: قصة قاتل"، باتريك زوسكيند


--المشهد الافتتاحي--

في العصر الذي نتحدث عنه هيمنت على المدن رائحة نتنة.. فالشوارع كانت تنضح برائحة الغائط، و باحات المنازل الخلفية برائحة البول، و أدراج البنايات برائحة الخشب المتفسخ و روث الجرذان، و المطابخ برائحة الملفوف المتعفن و رائحة الخراف. أما الغرف غير المهواة فقد كانت تنضح برائحة الغبار الرطب، و غرف النوم برائحة الشراشف المدهنة و اللحف الرطبة المحشوة بالريش، و بالرائحة النفاذة المنبعثة من المباول. من المدافئ كانت تفوح رائحة الكبريت، و من المدابغ رائحة قلويات الغسيل الواخزة، و من المسالخ رائحة الدماء المتفسخة.

أما البشر فكانوا ينضحون برائحة العرق و الملابس غير المغسولة، و من أفواههم كانت تنضح رائحة الأسنان المتعفنة، و من بطونهم رائحة البصل. و إن كان العمر قد تقدم بهم قليلا، فقد كان لأجسامهم رائحة الجبنة العتيقة و الحليب الحامض و الأمراض الورمية.

كانت الروائح تفوح من الأنهار و الساحات، من الكنائس و من تحت الجسور، و من القصور. كانت رائحة الفلاح كريهة كرائحة القس، و رائحة الحرفي المتدرب كرائحة زوجة المعلم. كانت طبقة النبلاء كلها تنضح بالرائحة الكريهة... في الصيف و الشتاء.

ففي القرن الثامن عشر لم يكن الانسان قد توصل الى وضع حد للتفاعل التحللي للبكتيريا. و نتيجة لذلك لم تكن هناك أية فعالية بشرية، لا البناءة فيها و لا المخربة، دون رائحة. كما لم يكن هناك أي تفتح على الحياة او اندثار لها دون أن ترافقه رائحة...

و هنا في أكثر أماكن المملكة بأسرها زخما بالروائح، ولد جون بابتسيت غرنوي في السابع عشر من تموز/يوليو 1738. كان أشد أيام السنة حرا، فقد جثمت الحرارة كالرصاص فوق المقبرة بحيث كانت تضغط بخار التفسخ المتصاعد من مزيج من البطيخ المتعفن و القرون المحترقة باتجاه الأزقة المجاورة. كانت والدة غرنوي عندما جاءها المخاض تقف أمام عربة سمك رائحته قد تصاعدت إلى درجة أنها طغت على روائح الجثث

هناك حكمة أزلية في نص سوزكيند: في أكثر الأجواء و الظرفيات عفونة يجب أن نتوقع أكبر احتمالات ظهور أجود أنواع العطور. و ضمن حشود الأنوف التي تعودت على الرائحة الكريهة ستظهر الأنوف الأكثر حساسية و قدرة على تمييز الروائح.

هذه تدوينة تجريبية حتى استكمال توضيب المدونة


عدد التعاليق: 11


طارق الكحلاوي
نشأ طارق في أحد مدن الضواحي مدينة رادس الواقعة في الجمهورية التونسية. يشغل الآن موقع أستاذ في جامعة روتغرز (قسمي التاريخ و تاريخ الفن). تلقى طارق تكوينه الجامعي في جامعة تونس (كلية 9 أفريل، إجازة و دراسات معمقة في التاريخ و الآثار) و جامعة بنسلفانيا (رسالة دكتوارة في تاريخ الفن). و يعلق بانتظام على القضايا و الاوضاع العربية باللغتين العربية و الانجليزية في مواقع و صحف مثل "الجزيرة.نت" و "القدس العربي" و "الحياة" و "العرب نيوز" و "ميدل إيست أونلاين"، و يكتب عمودا أسبوعيا في جريدة "العرب" القطرية. يكتب أيضا في قضايا ثقافية و نظرية تخص الاسلام المعاصر في المجلة البيروتية "الآداب". و تمت استضافته للتعليق في قناة "الجزيرة الفضائية" و قناة 13 "بي بي أس" (نيويورك).

Tarek Kahlaoui
Tarek grew up in the suburban city of Rades in Tunisia. He is currently an Assistant Professor at Rutgers University (a joint position in the Art History and History departments). Tarek graduated from the University of Tunis (Bach. and DEA in history and archeology) and University of Pennsylvania (Ph.D. in history of art). Tarek also comments regularly in Arabic and English on Middle Eastern issues and politics in Aljazeera.net, Al-Quds Al-Arabi, Al-Hayat, Arab News, and Middle East Online, and writes a weekly column for the Qatari newspaper Al-Arab. He also writes on intellectual and theoretical issues related to contemporary Islam in the Lebanese magazine Al-Adab. He was also invited to comment in Al-Jazeera Channel, and in Channel 13 (PBS-New York).