--هذا النص مكتوب ليُقرأ مع المقطع أعلاه: "مسيرة الجنازة" لفريديريك شوبان—


في توقيت غير معروف يوم 5 فيفري 2010 تم الاستفراد بمدونة "أفكار ليلية" و قطع صلتها بتونس... و هكذا تم فرض شرط أساسي لتقضي مدونة نحبها: فصلها عن وطنها.

سبق أن حاججت على تشبيه حجب موقع الكتروني في تونس بحالة النفي، و من ثمة نفي كاتبه بما أن النص هو جزء لا يتجزأ من ذواتنا، به و من خلاله نصنع بعض وجودنا. الآن أريد أن أذهب أبعد: نفي مدونة تونسية عن أرضها يفقدها الحاجة للوجود.

إذا كنا، كذوات بشرية، و عند النفي القسري، نستطيع البقاء لأسباب معقدة فيها ما يتعلق بالحاجة و فيها ما يتعلق بالفانتازيا، فإن منبرا تفاعليا يخضع لشروطه الخاصة. المدونة تتنفس لأنها نص الكاتب من جهة و مقروء و محط تعليق القارئ من جهة أخرى. المدونة التي تتعلق بالشأن العام لبلدها، مثلما كانت الفقيدة "أفكار ليلية"، لا تتنفس بسبب ما يخطه عليها كاتبها فحسب بل أيضا بسبب قابليتها للقراءة و بما هي نقطة تفاعل من قبل متلق يوجد أولا و أخيرا في تونس. النفي القسري للمدونة، في هكذا حال، يعني إصدار حكم بالاعدام.

نريد أن نسخر من الرقيب. بل يجب أن نسخر من الرقيب.

لكن الحجب ليس زرا. الحاجب ليس سائق سيارة عتيقة.

الحجب لحظة إعدام. و الحاجب جلاد على أعتاب مقصلة.

الرقيب على الانترنت جلاد الكتروني.

غير أنه جلاد من نوع خاص. إذ هو لا يحجب فحسب بل يسطح (trivializes/banalise) ذاته.

تكرار الحجب، مثل تكرار القتل، يسطح فظاعتهما. يجعل وقعهما شأنا روتينيا نتلقاه بدون مشاعر. وقع الحجب يصبح حينها مثل ترشف قهوة بدون مذاق، و قراءة صحيفة يومية صدرت الاسبوع الماضي. مثل تدخين سجائر مغشوشة. مثل الاستماع إلى نشرة أنباءالساعة الثامنة. مثل صوت الفراغ. مثل صمت أقصى الليل. مثل حديث الجيران. مثل أكل وجبة معلبة في العشاء و لحظة الارتخاء الباهتة التي تليها. مثل رحلة رتيبة في قطار الضاحية الجنوبية.

تسطيح الحجب يشرعن الحجب لأنه يسطح فظاعته و يجعله شأن روتينيا لا يحتاج الانتباه. و بهذا المعنى فإن الصمت و دعوات الصمت و السقوط في فخ التعود و استصغار شأن الحجب، كل ذلك، بدون استثناء، جزء من آلية تسطيح الحجب. أول خضوع للحجب هو قبوله مثلما يرغب الحاجب أن يبدو، أمرا روتينيا لا يحتاج أن نتوقف عنده.

في المقابل رفض الحجب يجب أن يعني تحديدا رفض تسطيحه. أن يصبح حجب أي موقع اعلامي الكتروني، أي مدونة، أي صفحة في فايسبوك حدثا يحتاج التوقف. يجب أن يتم "الشعور" به، و بأنه تحديدا فعل فظيع و فاضح. استباحة لدماء الكترونية. و اغتصاب لحالة فكرية.

يجب أن يصبح فرصة لنتذكر أن السلطة المتغولة للرقيب الالكتروني التونسي حالة فريدة حتى بالمقياس العربي. إذ الحجب السياسي حالة جد استثنائية في دول مثل مصر و المغرب، حيث يصل الأمر إلي حد حجب (سجن) المدون و لا يتم حجب المدونة (يجب التذكير أن أكثر مستعملي البروكسي في المغرب الكبير من التونسيين). طبعا سيطل علينا حينها الرقيب، من خلال أعوانه (للرقيب ماكينة تتجاوز المقصات إلى الأبواق)، طالبا منا أن نحمدل و أن نستعوذ، "إذ أننا هنا محظوظون، لا نُسجن بل نُحجب فقط". غير أن هذه الامثلة العربية تعكس فضاحة حالة الحجب، و كم البؤس التي تتضمنها، و مستوى الرعب من الكلمة، و ليست مدعاة للتفاخر. كما أن تخيير صاحب الرأي و الكلمة، في هذه الحالة المدون، بين حجبه أو حجب مدونته يقترب من الكوميديا السوداء.

يستحق كل موقع و منبر و مدونة متوفاة جنازة. جنازة ليس للعويل بل للتعبير عن الرفض. رفض القوي و ليس الضعيف: هل يمكن أن يكون الرقيب قويا و هو الذي يرتعب من الكلمة؟ و هل يمكن أن يكون المحجوب ضعيفا و هو الذي يملك كلمة تخيف؟ الخوف في مرمى الرقيب و ليس في مرمى من هو مستهدف من الرقيب. تلك المفارقة التي لا يجب أن ننساها، في رأيي.

هناك مفارقة أخرى لا يجب أن ننساها أيضا: بداية نهاية الرقيب الالكتروني السياسي هو فرض الاعتراف بوجوده. إذ أن وجوده المتواري، البعيد، المخفي وراء حجاب السرية، و من ثمة بوصفه خارجا عن القانون، يجعله خارج دائرة المراقبة. إذ لا يوجد من يحتاج الرقابة أكثر من أولائك الذين يستحوذون على صلاحيات الرقابة. إذ أن رقابة السلطة تحتاج دوما سلطة الرقابة، و الرقابة المضادة، حتى يمكن لها الاستمرار و الامتناع عن خلق ما يستحث وضع الخروج عن القانون.

حاول و سيحاول أعوان و منظرو الرقيب تلقيننا دروسا في سوريالية "رفض الحجب" في أن "الحجب كوني" و ليس استثناءا تونسيا. و لأن العالم ليس "إما أبيض و إما أسود" فإننا إزاء نقاش أكثر تعقيدا مما يريدنا هؤلاء أن نعتقد. كنت أجبت بالتفصيل على بعض هذه الدروس خلال رد على مقال كتبه أحد المبررين و الذرائعيين منذ أكثر من العام. و في الحقيقة النقاش التونسي حول الحجب ليس (إلى حد الآن) حول مدى حدود سلطة الرقيب و لكن حول طبيعة وجوده غير المؤسساتية.

.....................

إذا سأشيع "أفكار ليلية" إلى مثواها الأخير لكي تولد "أفكار ليلية" جديدة. سأقوم بجنازة مكتملة الشروط. سأختار الصندوق المناسب و الكفن المناسب، سأغسلها بيدي و أخضب يديها بالحنة. سأخير لها مكانا جميلا في أحد هضاب مقبرة شهيرة. ربما تحت ظلال شجرة. ستكون إلى جانب أخواتها من جثامين مدونات أخرى كثيرة، و مواقع أخرى كثيرة. في كل الأحوال لن أسمح بدفنها في صمت و دون الشعائر المناسبة. و سأفعل الشيء ذاته مع كل وفاة جديدة.

هل نبالغ إن قمنا بذلك؟ لا، البتة، لا نبالغ لأن الحجب حدث جلل. لأن الحجب يعني الحصار. يعني أن لا نكتب في أي موضوع نراه مناسبا و لا يراه الحاجب كذلك. و هكذا الحجب السياسي/غير المؤسساتي ليس موضوعا آخر بل هو، الآن و في هذه اللحظة، موضوع المواضيع بالنسبة لكل من اختار أن يكتب. من يتجاهله إنما يتجاهل نفسه.

هل نحتاج لتجديد وسائل الاحتجاج عليه، لاستنباط أشكال أكثر نجاعة لفضحه؟ بكل تأكيد. لكن أكثر المواقف مدعاة للشفقة هي خضوع المحجوب لخطاب الحاجب، قبوله بشرعية الحجب و أن يرى في الصمت حكمة. ليس ذلك أمرا مشينا فحسب لكن الأهم أنه أنجع الطرق لديمومة الحجب. و يبدو أن الفضاء المدوناتي التونسي بلغ درجة من النضج التي تجعله لا يقبل بذلك.



عدد التعاليق: 4

    تعليق: Moghrama ...  
    9 مارس 2010 في 12:46 ص

    ما نحبش نقول البركة فيك ...نقلّك مبروك ما إنزادلك وتتربى في عزّك وربي يبعّد عليها ولاد الحرام


    تعليق: AntikoR ...  
    9 مارس 2010 في 4:40 ص

    مرحبا بك مجدّدا .. هذه المدونة الجديدة و بتضمّنها لكلّ تدويناتك القديمة تعتبر دليلا جديدا على قصر نظر الحاجب .. ألا يكفيهم أنّ الإحصائيّات تبرز نجاح الآلاف من التونسيّين في الولوج إلي اليوتوب المحجوب ؟ أين النجاعة ؟ أين "مردوديّة" الإستثمار في 404؟ و أين الحلول الحقيقيّة ؟ .. الحرية هي الحلّ و ليس المشكل.. التكميم و التعتيم هو المشكل و ليس الحل.. و السؤال المطروح هو : ماذا يريد عمّار؟ ماهي أهدافه ؟ هل من "فلسفة" وراء الحجب؟ ماذا بعد الحجب و ماذا وراءه؟ إلى ما يقودونا عمّار هذا؟ أجب يا عمّار.. أجب يا عمّار.. أجب؟ .. الإجابات " غير موجودة" للأسف


    تعليق: WALLADA ...  
    9 مارس 2010 في 6:00 ص

    مبروك الشكل الجديد للمدوّنة

    تدوينة ممتازة كان الفضاء التدويني في حاجة ليها. دمت متألّقا طارق.


    تعليق: Tarek طارق ...  
    9 مارس 2010 في 10:17 ص

    شكرا مغرمة و أنتيكور و ولادة... المدونة الجديدة تحييكم



طارق الكحلاوي
نشأ طارق في أحد مدن الضواحي مدينة رادس الواقعة في الجمهورية التونسية. يشغل الآن موقع أستاذ في جامعة روتغرز (قسمي التاريخ و تاريخ الفن). تلقى طارق تكوينه الجامعي في جامعة تونس (كلية 9 أفريل، إجازة و دراسات معمقة في التاريخ و الآثار) و جامعة بنسلفانيا (رسالة دكتوارة في تاريخ الفن). و يعلق بانتظام على القضايا و الاوضاع العربية باللغتين العربية و الانجليزية في مواقع و صحف مثل "الجزيرة.نت" و "القدس العربي" و "الحياة" و "العرب نيوز" و "ميدل إيست أونلاين"، و يكتب عمودا أسبوعيا في جريدة "العرب" القطرية. يكتب أيضا في قضايا ثقافية و نظرية تخص الاسلام المعاصر في المجلة البيروتية "الآداب". و تمت استضافته للتعليق في قناة "الجزيرة الفضائية" و قناة 13 "بي بي أس" (نيويورك).

Tarek Kahlaoui
Tarek grew up in the suburban city of Rades in Tunisia. He is currently an Assistant Professor at Rutgers University (a joint position in the Art History and History departments). Tarek graduated from the University of Tunis (Bach. and DEA in history and archeology) and University of Pennsylvania (Ph.D. in history of art). Tarek also comments regularly in Arabic and English on Middle Eastern issues and politics in Aljazeera.net, Al-Quds Al-Arabi, Al-Hayat, Arab News, and Middle East Online, and writes a weekly column for the Qatari newspaper Al-Arab. He also writes on intellectual and theoretical issues related to contemporary Islam in the Lebanese magazine Al-Adab. He was also invited to comment in Al-Jazeera Channel, and in Channel 13 (PBS-New York).