الندوة التي نظمتها دار الصباح كانت مثيرة للإنتباه لأنها كانت صريحة بعض الشيئ رغم أن ذلك لم يكن ضروريا في هذه المرحلة الأولية من النقاش العلني. و لكن هذا إيجابي في حد ذاته. و بعيدا عن الأسلوب الساذج الذي طرحه بعض المدونين ("إشكون مع و إشكون ضد؟") يمكن التفاعل بطريقة أكثر عمقا و في هذا الإطار لدي الملاحظات الأساسية التالية التي يمكن أن تتحول أساس مقال أنشره عن قريب:

أولا، أهم مسألة كما هو مطروح في مداخلة عزام محجوب (و هي الأفضل من بين مجموع المداخلات مع مداخلة ريك أوريتز) هي الإطار
السياسي ("الجيوستراتيجي") للإتفاقية المرتقبة. فكما أشار المتدخلون لا شيئ من الناحية الإقتصادية البحتة يجعل الأمريكيين في عجلة للإتفاق مع تونس على إتفاقية تفاضلية للتبادل الحر. و من الواضح أن الإطار السياسي هنا هو الرئيسي. و لا أعتقد أن هناك عيبا في طرح المسألة بهذا الوضوح. و بالتالي فالنقاش من المفترض أن يمتد للإطار السياسي.

ثانيا، في علاقة بالإطار السياسي فإن الفيل الكبير الذي في الغرفة هي إتفاقية الكويز كنموذج شراكة بين الولايات المتحدة و دول المنطقة و التي تم توقيعها سابقا مع الأردن و مصر و كانت تفترض (فيما تفترض) وجود علاقات شراكة مع إسرائيل. و من الواضح بالنسبة للولايات المتحدة أن هذه نقطة إشكالية و يكثر حولها الجدال خاصة عندما لا تتناسب مع الظرفية السياسية كما هي تعطل تحقيق أهداف إستراتيجية أكثر أهمية ("الأمن المشترك"). و لهذا تم المضي (مثلا مع الأردن) في إتفاقية للتبادل الحر بمعزل عن إتفاقية الكويز مثلما أكد ريك أوريتز في رد غير مباشر على مخاوف عزام محجوب.

ثالثا، تبدو الإتفاقيات الحرة التي يتم عقدها بشكل إنفرادي الآن بديلا، على الأقل بشكل جزئي، على المشروع الأمريكي سنة 1998 لإقامة مشروع إتفاقية للتبادل الحر مع عموم منطقة المغرب العربي (ما يعرف بمباردة "إيزنستات"). و يبدو ذلك مؤشرا على يأس أمريكي من قيام سوق مشتركة مغاربية (قدم إيزنستات وزير التجارة في عهد كلينتون عديد المحفزات للدفع بإقامة هذه السوق بما في ذك المساعدة في إقامة بنية تحتية مشتركة للمواصلات). السؤال هنا طبعا: هل ستؤدي هذه الإتفاقيات المنفردة بين الولايات المتحدة و الأقطار المغاربية (هناك حديث عن رغبة أمريكية في إقامة إتفاقيات مماثلة مع الجزائر و ليبيا و موريتانيا) في تحسين فرص القناعة السياسية المغاربية
بإقامة سوق مشتركة أم ستؤدي إلى العكس؟

رابعا، من المفارقة كما هو واضح من مداخلة ريك أوريتز أن إتفاقية تبادل حر مع الولايات المتحدة لا تحقق تحسن العلاقات التجارية مع أمريكا ضرورة بقدر ما تسمح بتحسنها مع أقطار عربية أخرى (مثال تزايد الإستثمارات العربية في الأردن بتأثير الإتفاقية و المفاوضات الإماراتية المغربية القادمة). حيث تسمح الإصلاحات التي تفرضها الإتفاقية بجذب الإنتباه لسوق ذلك البلد. و بذلك فرغم أنها إتفاقيات منفردة فإن من بين آثارها المباشرة توسيع السوق أفقيا (أي ضمن المجال العربي: خاصة محور خليج-مغرب).

خامسا، بالرغم من النبرة التحذيرية العالية لعزام محجوب و التي يمكن أن تبدو محبطة أكثر من اللازم فإن ملاحظاته الخاصة بالجانب الإقتصادي البحت شديدة الأهمية و تعبر عن نظرة واقعية للغاية. و مثلما أكد فإن التبادل الحر يختلف عندما يتعلق الأمر بدول صغيرة مثل تونس. فحسب عرض الأرقام الذي قدمه محمد لحول من الواضح أن الإتفاقية ليست مجرد إمتيازات لتونس بل هي مثلما أي إتفاقية تجارية تتعلق بمصالح متبادلة. و من الواضح هنا أن المعادلة ستكون عموما كالتالي: تونس ستستفيد بالأساس (و ليس حصرا) بتصدير موادها الفلاحية و جلب إستثمارات توفر مواطن شغل (و هذا لا يضر عموما الطرف الأمريكي بل يستفيد منه خاصة بالنسبة للحالة الثانية). في المقابل المصلحة الأمريكية هي أيضا في الإستثمار في مجال الخدمات (خاصة القطاع البنكي و المبادلات المالية عموما) و أيضا ضمان الملكية الفكرية للسلع الأمريكية (بديهيا الخاصة بقطاع تكنولوجيا المعلومات). و هذ نقطة ستكون شديدة الصعوبة بالنسبة للطرف التونسي. حيث ستؤدي إلى شطب السوق السوداء الموازية في البرامج المعلوماتية و التي تستفيد منها قطاعات عديدة بما في ذلك الخدماتية و التي تستفيد من الأسعار الزهيدة للسلع المعلوماتية (البرامجية تحديدا).

سادسا و أخيرا، يجب التفكير بجدية في كيفية تنسيق آثار هذه الإتفاقية مع الإتفاقيات الموجودة خاصة مع الإتحاد الأوروبي. أفكر هنا خاصة بقطاع الخدمات الذي سيكون عليه مواجهة مصدرين هائلين في المنافسة (أوروبي عن قريب جدا). و هذا يطرح بقوة مسألة إصلاح القطاع المالي و الخدماتي: هل أصبح من الضروري تحرير العملة؟ و إذا تم ذلك بمن سيتم ربطها: باليورو عملة الشريك الأكبر أم بالدولار
العملة الدولية؟
بشكل عام هناك قضايا كبيرة بصدد النقاش هنا. توجد قاعدة عامة لا أعتقد أنه يوجد حولها خلاف في تونس مهما كانت الإختلافات السياسية و الفكرية (باستثناء قلة فرانكفونية متحجرة) و هي أن من مصلحة تونس تنويع علاقاتها الإقتصادية أكثر ما تستطيع. و لا يمكن الإنكار أن الولايات المتحدة هي الآن و لسنوات ليست قليلة في المستقبل (حتى في ظل الصعود الصيني) هي محرك الإقتصاد العالمي. و لهذا لا يمكن أن يوجد أي شك أن هناك مصلحة تونسية في قيام إتفاقية مماثلة. و في نفس الإطار لا يمكن لأحد أن يستغرب أن تفكر أي دولة في معاني سيادتها السياسية و الإقتصادية عند نقاش إتفاقيات مماثلة. خاصة إذا كانت بلدا صغيرا مثل تونس تعتبر فيه حتى القرارت الصغيرة ذات تأثير بالغ الأهمية في ظرفية جيوستراتيجية شديدة التقلب و لا يمكن فيها التقليل من أي قرارات متسرعة.

أعتقد أن تواصل نقاش علني و مفتوح و صريح و جدي يشارك فيه الخبراء المعنيون من الجانبين الأمريكي و الونسي بالطريقة التي تمت في ندوة الصباح أمر أساسي في فهم آفاق إتفاقية التبادل الحر بين تونس و الولايات المتحدة.


عدد التعاليق: 3

    تعليق: Big Trap Boy ...  
    26 ماي 2007 5:02 م

    حسب معلوماتي الإتجاه هو نحو جعل الدينار "كونفارتيبل" في أفق 2009
    وأوليّا لن يقع إعتماد عملة واحدة بل
    un panier de devises
    لإحتساب قيمته

    وربي يسترنا من هروب رؤوس الأموال

    أنا واحد من الناس باش نهز ميلياراتي ونمشي نعيش في جزر موريس


    تعليق: Tarek Kahlaoui ...  
    26 ماي 2007 6:24 م

    كونفرتيبل فكرة مرنة شوية... مش خايبة... أما في كل الأحوال أنا مانيش مطمن لحكاية تحرير العملة هذية في الظروف هاذي... الفياسكو إلي جرى في الأرجنتين توة سنين إل تالي صعيب الواحد بش ينساه... كان عندك دراسة قمقومة على الموضوع هذاية تعمل مزية عديهالي...


    تعليق: Hamadi ...  
    22 جوان 2007 5:51 ص

    Désolé d'intervenir en retard sur un sujet aussi important qui n'a pas été assez débattu.

    Je pense qu'un pays comme la Tunisie a interet à élargir ses échanges commerciaux avec des pays autres que l'UE en particulier USA, CANADA, JAPON, Corée, pays d'afrique... et ce pour éviter les chocs venant de l'UE (recession, dépréciation de l'Euro...).
    Pour l'analyse de M.Tarek j'ajoute que les echanges Sud-Sud permettent aux pays des Sud d'évoluer et de croitre et auront besoin d'avantages de biens d'équipements qu'ils peuvent acquérir des USA à l'aide des contrats tri-anglaire (USA-Tunisie-autres). Donc c'est un partenariat gagnant-gagnant.

    Pour la convertibilité de dinars : le dinars est semi-convertible depuis les années 90 (convertibles pour les opérations sur les biens et services:on peut acheter en devise sans autorisation préalable de BCT pour une grande partie des biens et services). Pour la convertibilité Totale (qui veut dire que les capitaux aussi peuvent entrer et sortir librement de la Tunisie sans aucun controle) est fortement attendue mais je suppose que ca sera annoncé pour 2009 (éléction) mais ne sera pas effective qu'en 2011 au plus tôt pour des considerations économique qui sont le taux de couverture de commerce exterieur encore faible et le déficit au niveau de la balance commerciale des biens, la flambé du prix de pétrole (celle qui a obligé la tunisie a changé son calendrier à mon avis).

    @Trapboy: Le dinar est indexé sur un panier de devises composé de l'€, le $, le Yen, le livre sterlling, le dirham marocain , la livre egyptienne, la livre turque, le shekel israelien....et tous les pays partenaires ou concureents.


    @Tarek:Pour le cas de l'argentine la question est autre c'était un systeme qui s'appele currency Board et qui liait mécaniquement la monnaie argentine au dollar américain lorsque le dollar américain (politique du $ fort de clinton) s'appréciait la monnaie de l'argentine faisait de même sans que l'économie argentine suivait de ce fait l'économie de l'argentine perdait en compétitivité et importait l'inflation avec une surévaluation de la dette le GAP est devenu important et l'Etat est devenu insolvable. Le même phénoméne s'est réalisé aussi en 1996-1997 avec les économies asiatiques avec le mexique ou la turquie.
    => c'est dû à une perte de l'Etat de son pouvoir sur la politique de change.



طارق الكحلاوي
نشأ طارق في أحد مدن الضواحي مدينة رادس الواقعة في الجمهورية التونسية. يشغل الآن موقع أستاذ في جامعة روتغرز (قسمي التاريخ و تاريخ الفن). تلقى طارق تكوينه الجامعي في جامعة تونس (كلية 9 أفريل، إجازة و دراسات معمقة في التاريخ و الآثار) و جامعة بنسلفانيا (رسالة دكتوارة في تاريخ الفن). و يعلق بانتظام على القضايا و الاوضاع العربية باللغتين العربية و الانجليزية في مواقع و صحف مثل "الجزيرة.نت" و "القدس العربي" و "الحياة" و "العرب نيوز" و "ميدل إيست أونلاين"، و يكتب عمودا أسبوعيا في جريدة "العرب" القطرية. يكتب أيضا في قضايا ثقافية و نظرية تخص الاسلام المعاصر في المجلة البيروتية "الآداب". و تمت استضافته للتعليق في قناة "الجزيرة الفضائية" و قناة 13 "بي بي أس" (نيويورك).

Tarek Kahlaoui
Tarek grew up in the suburban city of Rades in Tunisia. He is currently an Assistant Professor at Rutgers University (a joint position in the Art History and History departments). Tarek graduated from the University of Tunis (Bach. and DEA in history and archeology) and University of Pennsylvania (Ph.D. in history of art). Tarek also comments regularly in Arabic and English on Middle Eastern issues and politics in Aljazeera.net, Al-Quds Al-Arabi, Al-Hayat, Arab News, and Middle East Online, and writes a weekly column for the Qatari newspaper Al-Arab. He also writes on intellectual and theoretical issues related to contemporary Islam in the Lebanese magazine Al-Adab. He was also invited to comment in Al-Jazeera Channel, and in Channel 13 (PBS-New York).