برز في أواخر صيف سنة 2005 موقع باسم "الداعية أم أنس"
(www. umanas. netfirms)
مجهول المصدر و هو موقع خارج الخدمة حاليا. تبين في النهاية أن صاحب الموقع كان يختلق فتاوي
غريبة للغاية لسبيل الفكاهة كان من أكثرها رواجا تحريم شيخ مجهول (ذكر البعض أن اسمه "عبد الله النجدي" و هو بالمناسبة اسم مستعمل من قبل "ناطق إعلامي" باسم أحد التنظيمات الإرهابية في الخليج) للعب كرة القدم بالقواعد المعمول بها دوليا لأن ذلك "تشبه بالكفار" على حد قوله (اقترح مثلا اللعب ببدل النوم عوض الشورت و المريول نص يد). بلغ رواج هذه الفتوى عبر منتديات سلفية (أعني تحديدا بلفظ السلفية هنا التيار الديني المهيمن في المملكة السعودية أو ما يطلق عليه تجاوزا الوهابية) و أخرى غير سلفية الى الحد الذي أصبحت فيه مصدرا لخبر تناقلته صحف خليجية ذات مهنية عالية (مثل صحيفة الوطن السعودية). في النهاية اضطرت هذه الصحف لإصدار تكذيب لنص الفتوى و الاعتذار لقرائها. و تكرر هذا اللبس في حالات أخرى مشابهة. بالمناسبة هناك شكوك بأن المبادر بـتأسيس هذا الموقع هو إما أطراف "ليبرالية" أو أطراف شيعية. و تبدو لي الفرضية الثانية أكثر مصداقية في ظل تصاعد الصراع الطائفي في المنطفة بشكل عام (يوجد موقع شيعي تحديدا يستشهد بشكل مركز و غير طبيعي بموقع "أم أنس").

المثير في الأمر أن هذه الفتاوى على غرابتها كانت تلقى رواجا داخل المنتديات و الأوساط السلفية بحيث كانت تحظى بالتصديق و الاهتمام. و هذا مؤشر في غاية الأهمية على أن هناك في الواقع شهية عالية للإفتاء الراديكالي يفسر في الواقع حالة الطوفان الراهنة للإفتاء. يرتبط ذلك بظاهرة تعميم حق الإفتاء و انزياحه خارج مؤسسة مشيخة الفتوى (هذه المؤسسة الفتية في التاريخ الإسلامي على كل حال حيث لم تصبح شاملة لأغلب الأقطار سوى في مع القرن الخامس عشر). و يبلغ إنفلات وظيفة الإفتاء هذه السنات الأخيرة حالاته القصوى مع انتشاره في الفضائيات و حتى عبر مواقع في النت لشيوخ معروفين و لكن أيضا لآخرين مغمورين أو حتى غير معروفين تماما كما هو الحال في الموقع الآتي.

و أصبح الإفتاء يتم بسهولة مثيرة منذ بداية التسعينات و وصل فعلا الى حالات هستيرية مثلما تم في المثال الجزائري أواسط التسعينات من خلال تكفير التنظيم الإرهابي الرئيسي (الجماعة الإسلامية المسلحة) الشعب الجزائري بأسره (بناء على فتوى لشيخ فلسطيني أردني معروف مقيم آنذاك في بريطانيا) و ما انجر على ذلك من مجازر لم من يعد في نهاية الأمر من الواضح من يقوم بها. و في حالة التنظيم الأخير كانت هناك ما يسمى بـ"الهيئة الشرعية" و التي كان عناصرها في أحسن الأحوال "شيوخ" في سن الثلاثين لا يمكن أن نطمئن بأي حال لخلفياتهم و مداركهم العقلية حتى ("أمراء" هذا التظيم الذين كانو بالكاد يفكون الخط و كانوا يعملون أعمال يدوية بسيطة قبل إلتحاقهم بهذا التنظيم و هذا أمر أساسي في تخيل كيفية تعيين أعضاء "الهيئة الشرعية"). و لم يكن من المستغرب في هذا الإطار أن يبادر هؤلاء الى إصدار فتاوى شديدة السطحية في نصيتها الى الحد الذي اصطدمت فيه حتى مع مصالحهم السياسية و هو ما تمظهر بانشقاقات كبيرة مع نهاية النسعينات (إندحار الجماعة إياها كان ناتج عن هذا المأزق التنظيري "الشرعي" و ما يعنيه من محدودية آفاق المسؤولين عنه من ضمن عوامل أخرى).

و بمعنى آخر فإن الفتاوى المختلقة أو "المكذوبة" (حسب إصطلاح شيوخ السلفية) ليست في نهاية المطاف شديدة الإختلاف في منطقها و بنائها اللغوي و منهج "استدلالها الشرعي" عن فتاوى حقيقية موجودة و معلنة. و لهذا كان القائم (أو القائمون) على موقع "أم أنس" يخلطون بذكاء فتاوى حقيقية بأخرى مختلقة و هو ما يظهر بجلاء، إثر الإطلاع عليها، درجة التشابه المثيرة بينها جميعا. و من بين النقاط الأساسية المشتركة هي مسألة تحريم "التشبه بالكفار" حيث تبدو هذه النقطة أساسية في الحكم في قضايا تفصيلية عديدة. لنأخذ بعض الأمثلة المؤكدة على هذا المنهج لفتاوى صادرة عن شيوخ سلفيين رئيسيين في مواقعهم الرسمية على النت أو فتاوى موجودة عبر مواقع مؤسسات ذات طابع رسمي و مؤثرة مثل "الرئاسة العامة للبحوث العلمية و الإفتاء".

- تحريماللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء إلصاق أو وضع الأعلام و الشعارات على السيارات و غير ذلك تحت عنوان "التشبه بالكفار فيما هو خصائصهم"
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaChapters.aspx?View=Page&PageID=10378&PageNo=1&BookID=3
- تحريم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء إتخاذ شارات مثل شارات الطيارين "مشابهة للكفار":
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaChapters.aspx?Type=Index3&IndexItemID=7616&SecItemHitID=8638&ind=7&indtype=1&View=Page&PageID=676&PageNo=1&BookID=1
- تحريم الشيخ بن باز للتصفيق
http://www.binbaz.org.sa/index.php?pg=mat&type=fatawa&id=54
- تحريم الشيخ العثيمين لتعلم اللغة الإنجليزية من قبل الناطقين بالعربية
http://www.islamweb.net/ver2/Fatwa/ShowFatwa.php?Option=FatwaId&lang=A&Id=69919
- تحريم الشيخ بن باز لحلق اللحية
http://www.binbaz.org.sa/index.php?pg=mat&type=fatawa&id=2021
- تحريم الشيخ بن باز لرعاية الآثار
http://www.binbaz.org.sa/index.php?pg=mat&type=article&id=560
- تحريم الإقامة في بلد "يظهر فيه الكفر" حتى بهدف التجارة أو العمل
http://www.binbaz.org.sa/index.php?pg=mat&type=fatawa&id=2166
- تحريم الشيخ العثيمين لباس ثوب الزفاف الأبيض "إذا كان فيه تشبه بالنصارى"
http://www.ibnothaimeen.com/all/noor/article_4768.shtml
- تحريم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء للبس النساء البنطلون (السروال)
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaChapters.aspx?View=Page&PageID=6422&PageNo=1&BookID=3
- تحريم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء للباس الطلبة للباس التخرج "الروب"
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaChapters.aspx?View=Page&PageID=9348&PageNo=1&BookID=3
-تحريم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء فتح "محلات الكوافير" (الحجامة):
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaChapters.aspx?View=Page&PageID=9347&PageNo=1&BookID=3

إن مجمل هذه الأمثلة يحيل على نقطة أساسية هي بمثابة المأزق لهذا "المنطق الشرعي" و هي أن أي شيئ لم يكن يقوم به المسلمون خلال حياة الرسول (صلعم) أي في النصف الأول للقرن السابع ميلادي هو في النهاية محرم خاصة إذا كان من يقوم به "الكفار". فغياب تحريمه لا يعني عدم ضرورة تحريمه. غيابه بالذات بغض النظر عن فائدته أو أهميته الإجتماعية الراهنة هو مدعاة لتحريمه. و على هذا الأساس فإن الفتوى "المكذوبة" حول كرة القدم المذكورة أعلاه منسجمة تماما في منطقها الشرعي مع الفتاوى "الضحيحة" المذكورة أعلاه.

للإجابة على السؤال الأولي (من المسؤول عن استسهال فتاوى التحريم؟) يمكن تقديم الإجابات الأولية التالية:
-مأسسة الإفتاء (عبر مؤسسة "شيخ الإسلام" و هو مسار بلغ أوجه مع الامبراطورية العثمانية) كان بالتأكيد له دور في إسباغ طابع إطلاقي على ممارسة لاطالما كانت ذات طابع فردي إجتهادي معزول عن سلطة الدولة (على الأقل حتى القرن الحادي عشر ميلادي عندما بدأت في إيران أولى مؤشرات مؤسسة "شيخ الإسلام"). حيث أن وضع طابع الدولة عليها منح للفتوى إمكانية الانزياح عن الحدود الاجتهادية البشرية و منحها طابعا شبه رباني (به تصبح "و الله أعلم" التي تختمها مجرد عبارة روتينية لا تعكس أهميتها الحقيقية و التي تذكرنا بنسبية "علم" واضع الفتوى).
- المنهج الإطلاقي المتباين حسب الشيوخ و المذاهب. و هنا يبدو المثال أعلاه نموذج جيد على كيفية إقامة معيير إطلاقية تنمط الفتوى حيث تجعلها فعلا ميكانيكيا معلوم النتائج و لكن في النهاية في مأزق حقيقي عند مطارحته على الممارسة العملية. و من هذه المدارس الإطلاقية تحديدا تظهر بسهولة ظاهرة "الشيوخ الشبان" أي الذين يفكون بالكاد الخط و ما يأتي بعد ذلك من "هيئات شرعية" تحدد تذهب بمنهج اعتاد الحسم في "الكوافير" و "الروب" الى مسائل مصيرية تقرر من له الحق في الحياة و من يجب أن يموت.

عدد التعاليق: 3

    تعليق: adam ...  
    10 ماي، 2007 10:50 ص

    مقال جيّد و شكرا على الروابط المهمة


    تعليق: Tarek Kahlaoui ...  
    10 ماي، 2007 3:45 م

    شكرا... على كل لا أقدر أن أسمي هذا مقالا... ممكن مسودة مقال


    تعليق: Happy ...  
    10 جويلية، 2008 8:40 م

    - تحريم الشيخ العثيمين لتعلم اللغة الإنجليزية من قبل الناطقين بالعربية

    http://www.islamweb.net/ver2/Fatwa/ShowFatwa.php?Option=FatwaId&lang=A&Id=69919


    follow the link and you will find :
    فالأصل هو جواز تعلم اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات الأجنبية لتحصيل مصلحة شرعية،.....وعليه فتعلم اللغة الإنجليزية مباح في الأصل، وقد يكون فرض كفاية إذا احتيج إليه في بعض أمور المسلمين ومصالحهم، ولكن تعلم اللغة العربية أفضل منه....

    so Sir there is no "tahrim" and you have the checkout your information before posting
    Thank You



طارق الكحلاوي
نشأ طارق في أحد مدن الضواحي مدينة رادس الواقعة في الجمهورية التونسية. يشغل الآن موقع أستاذ في جامعة روتغرز (قسمي التاريخ و تاريخ الفن). تلقى طارق تكوينه الجامعي في جامعة تونس (كلية 9 أفريل، إجازة و دراسات معمقة في التاريخ و الآثار) و جامعة بنسلفانيا (رسالة دكتوارة في تاريخ الفن). و يعلق بانتظام على القضايا و الاوضاع العربية باللغتين العربية و الانجليزية في مواقع و صحف مثل "الجزيرة.نت" و "القدس العربي" و "الحياة" و "العرب نيوز" و "ميدل إيست أونلاين"، و يكتب عمودا أسبوعيا في جريدة "العرب" القطرية. يكتب أيضا في قضايا ثقافية و نظرية تخص الاسلام المعاصر في المجلة البيروتية "الآداب". و تمت استضافته للتعليق في قناة "الجزيرة الفضائية" و قناة 13 "بي بي أس" (نيويورك).

Tarek Kahlaoui
Tarek grew up in the suburban city of Rades in Tunisia. He is currently an Assistant Professor at Rutgers University (a joint position in the Art History and History departments). Tarek graduated from the University of Tunis (Bach. and DEA in history and archeology) and University of Pennsylvania (Ph.D. in history of art). Tarek also comments regularly in Arabic and English on Middle Eastern issues and politics in Aljazeera.net, Al-Quds Al-Arabi, Al-Hayat, Arab News, and Middle East Online, and writes a weekly column for the Qatari newspaper Al-Arab. He also writes on intellectual and theoretical issues related to contemporary Islam in the Lebanese magazine Al-Adab. He was also invited to comment in Al-Jazeera Channel, and in Channel 13 (PBS-New York).