مقال صادر في "العرب" القطرية بتاريخ 22 نوفمبر 2009... الجزء الأول من جزئين
كنت قد كتبت منذ ايام مقالا بالانجليزية في ذات الموضوع على هذا الرابط
http://www.middle-east-online.com/english/Default.pl?id=35758
يلخص وجهة نظري فيه.. و لو أن ذلك ذلك كان قبل التطورات التي لحقت مقابلة الخرطوم

http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=106876&issueNo=702&secId=15

في الحساسيات المغاربية- المصرية: محاولة للفهم بمناسبة المواجهة الكروية (1-2)

طارق الكحلاوي

2009-11-22
بشكلٍ ما، أشعر مثل غالبية التونسيين أننا معنيون بشكل مباشر بالأزمة المصرية-الجزائرية الراهنة. من الناحية الكروية المباشرة كنا عموما نرغب في أن يهزم المنتخب الجزائري المنتخب المصري. وهكذا إثر مباراة الخرطوم خرج عدد لافت من التونسيين، حسب فيديوهات تم تناقلها في الإنترنت، في مدن عديدة وبشكل عفوي للاحتفال بالفوز الجزائري. لم يكن ذلك ناتجا عن نوع من التعويض عن فشل منتخب «نسور قرطاج» في بلوغ نهائيات كأس العالم. إذ من المعروف أن هناك تقاليد في التنافس الكروي القوي بين تونس ومصر، وعموما يميل التونسيون لمؤازرة المنتخبات أو الفرق المغاربية إذا تقابلت مع المنتخب أو الفرق المصرية. لكن سيكون من السطحية، خاصة بعد عمق الكره والحقد اللاكروي المتكشف في قطاعات اجتماعية غير هينة خلال الأسابيع الأخيرة، أن نعتقد أن هذا التنافر الكروي المغاربي المصري هو «مجرد تنافس كروي» أو أن نعتقد أنه في أقصى الحالات حالة «غير عادية» ناتجة عن عوامل طارئة من نوع «الشحن الإعلامي» المتبادل. هناك أمر أعمق بعض الشيء وسأحاول هنا رسم بعض ملامحه في أقل الأحوال.

يجب بدءاً أن نتخلص من الروايات الدعائية ذات القراءات الأحادية لما حصل من اعتداءات. إذا حاولنا التمسك بالمعطيات الموضوعية كما هي سيتبين لنا حسب المصادر الموثوقة حتى آخر هذا الأسبوع أنه: أولاً، هناك اعتداءات وقعت من قبل بعض الجماهير المصرية على المنتخب الجزائري (وهو الأمر المثبت الآن في تقارير رسمية لـ «الفيفا» ولم يعد هناك من داعٍ لكي تواصل معظم المنابر المصرية التهريج والادعاء بأن اللاعبين الجزائريين «عوروا أنفسهم»)، كما أن الاعتداءات شملت بعض الجمهور الجزائري (كما توضح بعض الفيديوهات وهي الفيديوهات التي تحرص على ألا تراها بعض المنابر المصرية المهتمة كثيرا بفيديوهات الإنترنت في الأيام الأخيرة) ولو أن ذلك لم يصل إلى حد القتل (كما ادعت بتسرع، قبل التكذيب الجزائري الرسمي المتأخر، ثم بعناد مثير للشكوك الكثيرُ من المنابر الجزائرية). ثانياً، هناك اعتداءات حصلت من قبل بعض الجمهور الجزائري على مصالح مصرية في الجزائر ثم على الجمهور المصري في الخرطوم (تتجاهل معظم المنابر الجزائرية ذلك)، والآن بعد كل الغوغائية الإعلامية التي سادت يتبين حسب مصادر رسمية مصرية (وزير الصحة) وسودانية (أمنية وإعلامية) أن عدد المصابين الإجمالي يصل في أكثر الحالات إلى 21 شخصاً وجميعهم لم يتعرض إلى أي إصابات بالغة.

المصيبة الحقيقية والأمر الذي يحيلنا على إصرارٍ منظّمٍ على الكذب والتدجيل خاصة من قبل المنظومة الإعلامية المصرية واسعة الأطراف هو أن هذه المعطيات لا تتفق بأي حال مع حالة التهريج التي تمت على المباشر ليلة الأربعاء والتي إذا صدقنا ما نقلته من «تشريح» و»تذبيح» و»تجزير» و»حصار» و»مطاوي» و»سكاكين» أن أمراً من اثنين لا ثالث لهما قد حصل: أن الجمهور الجزائري الموصوف في تلك المكالمات والذي وصل بعض المتحدثين المصريين إلى التكهن بأنه كان «قوات مدربة» («لأنها تصحو باكرا وتتنقل بشكل جماعي في شوارع الخرطوم») كان لا يجيد استخدام «الأسلحة البيضاء» التي بيديه (بالمناسبة الناطق باسم النظام المصري، «وزير الإعلام» أو الدعاية بشكل أصح، أعلن على المباشر في ذات الليلة أن الجمهور الجزائري اشترى «كل الأسلحة البيضاء» المتوفرة في أسواق الخرطوم). الاحتمال الثاني، وهو الذي يبدو ما حصل كلما ابتعدنا عن سخونة ليلة الأربعاء، أن هجوم بعض الجمهور الجزائري كان عملا فوضويا استهدف التخويف والترهيب تحت يافطة «الانتقام» ولذلك اقتصر على كسر زجاج نوافذ الحافلات وربما التلويح ببعض «السكاكين».

دعوني هنا أسجل أمرا أساسيا يجب أن يسمعه أي قارئ مصري متحفز للبحث عن إدانة تعميمية للجمهور الجزائري. نعرف كتونسيين تحديدا الانفلاتات الناتجة عن حماسة بعض الشباب الجزائري، والتي يمكن أن تصل إلى العنف، مثلما حدث ويحدث في مناسبات كروية أو لاكروية. لكن لا يوجد ما يجعلني أعتقد بأن ذلك كان عنفا مختلفا نوعيا عن عنف بعض الشباب التونسي، الكروي منه وغير الكروي. وسأصاب بالدهشة لو قيل لي إن كل ممارسات الشباب المصري في مناسبات كروية وغير كروية هي دوما «متحضرة» و»بتاع ناس محترمين» (تم ترديد هذه المصطلحات تحديدا بشكل غير مسبوق في المنابر المصرية، وكنت دائما أتذكر مشاهد «السعار الجنسي» وسط القاهرة عندما أسمع تلك الكلمات). ورغم ذلك فإن أي ممارسات جرت في الخرطوم تستهدف ترهيب وتخويف وكسر زجاج المشجعين المصريين هي بالتأكيد مُدانة ولا يمكن تبريرها بأي حال. نرجع الآن لمحصلة ما جرى بناء على المعطيات الموثوقة: تم تبادل العنف بشكل فوضوي من قبل بعض فئات جمهوري الفريقين، في القاهرة أولاً ثم في الجزائر والخرطوم، بشكل محدود إذا ما وضعنا في مخيلتنا الاعتداءات في سياقات أخرى، مع فارق وحيد هو الاستهداف المباشر للاعبين (تخيلت للحظة لو تهجم الجمهور الفرنسي في المقابلة الفاصلة في ذات الأربعاء على نجوم المنتخب الأيرلندي ولعب هؤلاء بعصابات على الرؤوس). لا يوجد ضحايا في المحصلة. ولا توجد مظلومية إلا من زاوية فنية وقانونية خاصة بلوائح «الفيفا» تهتم بما يجري على أرض الملعب وليس خارجه.

لكن الوضع الراهن الذي نحن إزاءه هو ارتخاء الحملة الإعلامية الجزائرية التي لم يكن يسمع بها إلا ندرة من المصريين في الغالب إذ إنها كانت متركزة في صحيفة أو اثنتين هذا عدا أن المصريين لا يشاهدون «التلفزيونات الأخرى» إذ «لا يفهمونها». لكن في الضفة الأخرى الوضع مختلف تماما، إذ هناك حملة يومية تدوم 24 ساعة في منظومة إعلامية الأكثر كماً عربياً (ليس الأجود نوعا بالضرورة) في كل البرامج (حتى المتعلقة بالتجميل و «السيما») في المنابر المصرية (الخاص منها والعام) خاصة منها الفضائية محورها الرئيسي يتردد بشكل منظم ودعائي وغوغائي يصل حتى إلى لسان الشارع المتقبل والمرتد إلى ذات هذه المنابر في اتجاهين: «نحن المصريين ناس طيبون وخدعنا بشعارات العروبة رغم كل ما فعلناه لهؤلاء، ويجب الآن وقفة مع الذات، وأن نأخذ موقفا من هذه المظلومية، ثم لماذا يكرهوننا؟ أليس لأننا أفضل منهم» (يتفق على هذا الخطاب حتى بعض «القوميين العرب» المصريين بما في ذلك صحافي ونائب معروف في البرلمان ذهب لحضور المباراة). من الجهة الأخرى يقع تعليب الجزائريين وأحيانا بشكل ملتبس «البربر» (بما يعني ضمناً المنطقة المغاربية) فيما يلي: «هؤلاء ذوو طبيعة عنيفة، وشرسة وهمجية، اُنظر كيف يقتلون أنفسهم دون مبرر، هم في النهاية بربر أو برابرة» (واخترت بالمناسبة العبارات الأقل خدشا للحياء). الأمر الأساسي هنا أنه مع كل التحريض والتعصب الذي لاحظته في الإعلام الجزائري فإن ما نجده في الضفة المصرية أمر مختلف نوعا، إذ يتعلق بأيديولوجيا لا تبدو جديدة، أيديولوجيا «التمركز على الذات المصرية» (Egypt-Centrsim) وبالتحديد «وهم العظمة» تمارس بشكل محتشم أحياناً وبشكل مكشوف أحياناً أخرى (مثلما هي الحال هذه الأيام) عقلية استعلائية تحت عناوين شعبوية مثل «الكبير كبير» على كل البقية ضمناً ولو أنها تتركز عنواناً على الجزائريين. وأيديولوجيا «عظمة الدولة المصرية» هذه قوية إلى حد أنها تحظى أحيانا بشبه إجماع يضم حتى أكثر أعداء «الدولة القُطرية» («الدولة-الأمة» بمعناها القُطري). وفي لغة هذه الأيديولوجيا يمكن أن نلمس بسهولة كل مفردات الخطاب «الاستشراقي الكلاسيكي» والذي يجمد أي منطقة أو شعب ضمن هوية «جوهرانية» أزلية لا تتغير، بما في ذلك الذات المصرية، إذ «نحن بناة الأهرامات، نحن نمثل مصر العظيمة».

لا يمثل هذا الخطاب طبيعة ثابتة لدى المصريين وبكل تأكيد ليس خطاب كل المصريين. لكن بالتأكيد هو خطاب سلطوي يتصرف مثل أي خطاب سياسي منظم آخر، يصنع أمثولة تقرب العقائدية حتى تحشر الجميع في بوتقة واحدة خلف السلطة/ الدولة التي يدافع عنها الخطاب السلطوي. وبالتأكيد، إذاً، ليست هذه خاصية مصرية، إذ للجزائريين أيضاً أمثولتهم العقائدية التي تتأسس عليها هوية أزلية مبنية على واقع «دولة الثورة». لكن إزاء الأزمة الراهنة فإن هذا الخطاب أكثر تضخما في السياق المصري كما أنه في طلاق بيّن مع أي معطيات واقعية، سواء الخاصة بملابسات الاعتداءات المتبادلة أو بالواقع الراهن لهذه الدولة.


عدد التعاليق: 4

    تعليق: M ...  
    23 نوفمبر، 2009 5:27 ص

    أرى في النزعة الإستعلائية التسلطية، التي ترسخت منذ عقود في اللاوعي المصري، أكبر عقبة أمام أي مشروع قومي عربي.
    لا يكاد مصري ينطق كلمة "وحدة عربية" دون أن يُتبعها ب "تحت قيادة مصر".
    أحيانا أشعر أن النقطة الثانية ("تحت قيادة مصر") هي أكثر ما يشدهم للمشروع القومي.


    تعليق: dali ...  
    23 نوفمبر، 2009 9:17 ص

    le probleme est surement tres ancree dans le passe des pays arabes, la competetions maghreb-machrik a toujours succiter des conflit de tous genres (sport, culture etc) cette fois ce qui amplifie la situations c est les medias qui rapporte des "mensonges " de tous genre, des medias qui cible un public inavertis , donc la solution qui lance un grand dilemme doit on controler ces medias et toucher a l independance de l information ou pas ? je vois que oui il faut lancer un processus de controle des sources d informations. plus instaurer un systeme de punition pours les medias qui passe des emnsanges et change les faits, je sais que certains vont dire que telle lois vont ouvrir la porte au gouvernements arabes pour metter leur mains sur la libertes d expresssion ( si ce n est pas deja fait ) mais un tel systeme va permettre de controler ses chaines et journaux qui commence vraiment a menacer un liens deja faibe entre pays arabes.


    تعليق: H B J ...  
    23 نوفمبر، 2009 9:42 ص

    c normal que tarek soit contre les egyptiens

    puisque les qatariotes aiment bien qu'on insulte les egyptiens


    تعليق: Tarek طارق ...  
    23 نوفمبر، 2009 10:43 ص

    حميدة... علاش الاصرار على التعليقات السطحية إلي ما عندها لا ساس لا راس... كيفاش "طارق ضد المصريين" هكة بالبساطة هذية؟ ماهو قول على أناهو أساس توصلت للاستنتاج العبقري هذاية و إلا فإنو الكذب و التدجيل مضيعة لوقتك و وقتي... ما هو قلنا تصرف بجدية أكبر و استعمل عقلك قبل ما تكتب تعليق و إلا الناس بش تتصرف معاك بطريقة اسمع و فلت



طارق الكحلاوي
نشأ طارق في أحد مدن الضواحي مدينة رادس الواقعة في الجمهورية التونسية. يشغل الآن موقع أستاذ في جامعة روتغرز (قسمي التاريخ و تاريخ الفن). تلقى طارق تكوينه الجامعي في جامعة تونس (كلية 9 أفريل، إجازة و دراسات معمقة في التاريخ و الآثار) و جامعة بنسلفانيا (رسالة دكتوارة في تاريخ الفن). و يعلق بانتظام على القضايا و الاوضاع العربية باللغتين العربية و الانجليزية في مواقع و صحف مثل "الجزيرة.نت" و "القدس العربي" و "الحياة" و "العرب نيوز" و "ميدل إيست أونلاين"، و يكتب عمودا أسبوعيا في جريدة "العرب" القطرية. يكتب أيضا في قضايا ثقافية و نظرية تخص الاسلام المعاصر في المجلة البيروتية "الآداب". و تمت استضافته للتعليق في قناة "الجزيرة الفضائية" و قناة 13 "بي بي أس" (نيويورك).

Tarek Kahlaoui
Tarek grew up in the suburban city of Rades in Tunisia. He is currently an Assistant Professor at Rutgers University (a joint position in the Art History and History departments). Tarek graduated from the University of Tunis (Bach. and DEA in history and archeology) and University of Pennsylvania (Ph.D. in history of art). Tarek also comments regularly in Arabic and English on Middle Eastern issues and politics in Aljazeera.net, Al-Quds Al-Arabi, Al-Hayat, Arab News, and Middle East Online, and writes a weekly column for the Qatari newspaper Al-Arab. He also writes on intellectual and theoretical issues related to contemporary Islam in the Lebanese magazine Al-Adab. He was also invited to comment in Al-Jazeera Channel, and in Channel 13 (PBS-New York).