مقال صادر في "العرب" القطرية في 30 أوت 2009

http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=95586&issueNo=617&secId=15

أحمد بن صالح (6)

طارق الكحلاوي

2009-08-30
رغم تاريخه النقابي الوجيز ولكن البارز في تمثيل «اتحاد الشغل» دوليا وشغل موقع «الكتابة العامة» في ظرفية حساسة أي الانتقال من وضع الاحتلال إلى وضع دولة الاستقلال، رغم ذلك تبقى صورة بن صالح في ذاكرة التونسيين هي صورة رجل الدولة. إذ فيها برز وصنع تاريخه السياسي الأبرز. لكن من الصعب الفصل بين دوره النقابي ودوره السياسي. فحتى من خلال موقعه النقابي في منظمة مثل «اتحاد الشغل»، كانت جزءاً لا يتجزأ من طيف الحركة الوطنية، وعلاقتها الوثيقة بالحزب الرئيسي في هذه الحركة يصعب تمثل دور بن صالح النقابي بعيدا عن دور السياسي. وهذا مجرد مثال صغير على الإشكالية العامة الخاصة بـ «استقلالية» الاتحاد عن الحزب.

يذكر بن صالح حادثة أساسية بمعزل عن مدى دقتها تشير إلى الانتقال من دور النقابي إلى دور السياسي أو رجل الدولة، ولكن بما يعكس ثقل دوره النقابي في اقتلاعه لدوره السياسي الجديد. وتعكس أيضا تخوف بورقيبة من الثقل السياسي للمنظمة النقابية ومحاولاته احتواء قياداتها. ينقل بن صالح أنه مباشرة غداة الاستقلال في 20 مارس 1956 وبوصفه «النائب الأول لرئيس المجلس التأسيسي» أي البرلمان الوليد اقترح بشكل «غير رسمي» تجنب تنصيب زعيم الحركة الوطنية، الحبيب بورقيبة، على رأس الحكومة حتى يبقى في وضع الحكم الذي يساهم في المجهود الدولي للدولة الناشئة ولا يغرق كثيرا في تفاصيل وصراعات الوضع الداخلي. في الغد دعا الباهي الأدغم، «الكاتب العام» الجديد للحزب خلفا لصالح بن يوسف والذي كان الأخير لا يكنّ له حسب بن صالح الكثير من الاحترام خاصة عندما رافقه في المفاوضات مع فرنسا، إلى اجتماع حضره بعض قيادات «الاتحاد» وبقية «المنظمات القومية» مع قيادات للحزب طرح فيه الأدغم موضوع مستقبل بورقيبة السياسي مع التركيز على ضرورة منحه موقع رئيس الحكومة المقبل. يذكر بن صالح في هذا السياق اندلاع جدال بينه وبين الباهي الادغم خاصة عندما أشار الأخير إلى تجربة الهند وتقلد نهرو منصب رئاسة الحكومة، حينها رد بن صالح: «نهرو مش غاندي» (نهرو ليس غاندي).

يواصل بن صالح روايته لهذه الحادثة حيث يشير إلى دعوة بورقيبة إلى اجتماع «الديوان السياسي الموسع» للحزب في منزله من الغد والذي دعي إليه إضافة إلى أعضاء «الديوان السياسي» ممثلو «المنظمات القومية» بما في ذلك أحمد بن صالح. عند دخول الأخير نادى بورقيبة: «هاو سي أحمد جا.. إيه إيجي اقعد بحذاية» («هاهو السيد أحمد جاء.. تفضل اجلس بجانبي») أمام أنظار قيادات «الديوان السياسي» القديمة و «الأكبر سنا» مثلما يشير بن صالح بما يعنيه ذلك من إحراج. واصل بورقيبة حسب بن صالح الكلام في الاجتماع: «يقولولي أنا متاع حكومة ولبسة وهدرة.. لكن إذا لزموني تحصل معناها إيش بيه» («يقولون لي أني أصلح لمنصب رئيس الحكومة لكن لا أرتاح لكل هذه البروتوكولات من لباس وغيره... ولكن إذا لزم الأمر لم لا»). ثم ينهي بورقيبة حديثه بالفرنسية: «بورقيبة من جهة وبن صالح من جهة أخرى سيكون الأمر جيدا للغاية» («Bourguiba d’un cote et Ben Saleh de l’autre ca va etre formidable»). بن صالح يقول إنه أصابته الدهشة من هذه الحظوة الخاصة والتجأ للبحث عن «تفسير» إلى أحد القيادات التاريخية لـ «اتحاد الشغل» محمد الري الذي كان كاتبا عاما لعمال نقابة «عمال الرصيف» والذي يصفه بن صالح بأنه كان في مقام «والده». محمد الري علق بكلمتين حسب بن صالح: «كلام يوغر الصدور».

يواصل بن صالح روايته لهذه المرحلة الانتقالية الحساسة فيشير إلى أنه إثر حوالي 48 ساعة من اجتماع «الديوان السياسي الموسع» تلقى مكالمة هاتفية تخبره بقدوم سيارة الأمين باي، والذي كان حتى ذلك الوقت وقبل إعلان الجمهورية وتنحيته أعلى سلطة في البلاد، إلى «المجلس التأسيسي» ليستقلها بوصفه «النائب الأول» للمجلس ويرافق فيها حسب البروتوكول المرشح لموقع رئيس الحكومة ليقدم أوراق اعتماده إلى الباي. البروتوكول يقضي بأن الراكب على اليمين في سيارة الباي هو أكثر رفعة وكان على بن صالح أن يجلس على اليمين في السيارة لأن بورقيبة موجود فيها كمرشح فحسب ولم يتقلد موقع رئيس الحكومة بعد. يذكر بن صالح أن المدة القصيرة التي تمت فيها رحلة السيارة من «المجلس التأسيسي» إلى قصر الباي كانت صعبة إذ خلالها، وخلالها فقط طيلة حياة الرجلين، كان بن صالح بروتوكوليا في موقع أرفع من بورقيبة. وهنا يشير بن صالح أن بورقيبة لم يكن مرتاحا بتاتا إلى هذه الوضعية المؤقتة والشكلية. عند الوصول إلى القصر تقدم بن صالح بورقيبة واستقبلهما الباي بعيدا عن عرشه بما يعكس حفاوته الشكلية بالقادمين، وينقل بن صالح هنا أنهما في طريقهما إلى الجلسة الرسمية التفت الأمين باي إلى بورقيبة وطلب منه مشيرا إلى بن صالح «لازم تحطوا معاك في القصعة» («يجب أن تضعوه معكم في مركز السلطة أي الحكومة»).

لكن أفعال بورقيبة حينها خاصة إثر تشكيله حكومته الأولى في 29 يوليو سنة 1957 لا تشير إلى منح بن صالح موقعا تنفيذيا كبيرا، إذ عيّنه في موقع «كاتب الدولة للصحة» («وزير الصحة»). ولكن من الواضح أن المجموعة التي كانت مقربة من بن صالح خاصة بعض أعضاء الفريق الذي ذكر أنه شكله لإعداد «التقرير الاقتصادي والاجتماعي» عندما كان زعيما للمنظمة النقابية أخذوا أيضا مواقع متقدمة في هذه الحكومة مثل عز الدين العباسي («كاتب الدولة للصناعة والتجارة»)، ومصطفى الفيلالي («كاتب الدولة للفلاحة»). وإذ نظرنا بشكل رجعي فإن في هذه الحكومة مؤشرا أوليا على ميل بورقيبة إلى منح الملف الاقتصادي والاجتماعي للقيادات القادمة من «اتحاد الشغل» خاصة بناءً على دورهم المفترض في إعداد أول برنامج اقتصادي واجتماعي لتونس ما بعد الاستقلال.

ويشير بن صالح في سياق حديثه إلى نوع من الاتفاق غير واضح المعالم بتسليم الملف الاقتصادي والاجتماعي إلى قيادات من الاتحاد من خلال منحهم مواقع متقدمة في الحكومة. كما يشير إلى أنه رفض تقلد أي منصب حكومي إلا بعد وضع شروطه. يشير مثلاً في وقت لاحق عن «مفاوضات لمدة ساعة من الزمن» خاضها مع بورقيبة لتقلد منصب «وزير المالية» على أساس قبول «الديوان السياسي» ببرنامج مبني على «التقرير الاقتصادي والاجتماعي».

بن صالح يركز هنا على موضوع الداعي لتركيزه على الملف الاقتصادي والاجتماعي عوض التركيز على ملفات أخرى بما فيها السياسي وموضوع المشاركة السياسية والديمقراطية. يشير إلى زياراته إلى الجنوب الغربي التونسي منذ كان قيادياً في «اتحاد الشغل»، وهو الأمر الذي تأكدت منه من مصادر نقابية أخرى من هذه الجهة، ومشاهد الفقر المدقع فيها خاصة الصور المؤلمة لوجوه الأطفال «لاصقة بالذبان» («ملآنة بالذباب»). ينتقد هنا «النخبة الإفرنجية» (ويعني هنا تحديدا المتفرنسة) التي كانت تركز على الديمقراطية حينها في وضع يفتقد أساسيات الحاجات الاقتصادية والاجتماعية في دولة ما بعد الاستقلال. بن صالح الذي بدا كأنه يرد على الانتقادات التي اعتبرته داعما لـ «الدكتاتورية البورقيبية» يؤكد على ضرورة التفريق بين مطلب «الحريات» ومطلب «الديمقراطية» في ظل الوضع الهش لما بعد الاحتلال. طبعا هذا الموقف المثير للجدال يصعب تبريره لكني أفهم جيدا الانتقادات التي يوجهها بن صالح إلى نخبة «فرنكفولية» (Francophile) وليس فرنكفونية فحسب (وذلك أمر لا يستحق الاستهجان) في دولة ما بعد الاستقلال تستنسخ فهمها وحلولها للواقع التونسي بمنظار فرنسي غير قادر حتى على الانفتاح على تجارب غربية أخرى، ولا يزال بعضها للأسف في موقع بارز حتى الآن.

في جميع الأحوال سيتقلد بن صالح بشكل تدريجي عددا قياسيا من الوزارات، وسيصبح بحلول أواسط الستينيات الوزير الأكثر أهمية في البلاد والرجل الثاني فيها بدون منازع. وهنا تبدأ روايته للمرحلة الأكثر جدالا وبروزا في حياته السياسية، «تجربة التعاضد».


عدد التعاليق: 4


عندي مدة ماعديتش شهر و نصف في العطلة في تونس كيفما عملت الصيف هذا... يعني تتسمى مدة لاباس بيها.. كتبت على بعض الاشياء إلى عملتها خاصة اللقاءات مع سي أحمد بن صالح في سلسلة مقالات في "العرب" القطرية و عاودت نشرهم في المدونة و إلي بالمناسبة صارت عليهم نقاشات باهية في الصفحة متاعي في "الفايسبوك"... ما كتبتش حاجة خاصة بالمدونة لعدد من الاسباب من بينها طبعا، و كيفما قلت قبل، أنو مجتمع البلوغوسفار و جمهور البلوغوسفير ماعادش يفرح برشة و بالتالي ما يرغبش برشة في الكتيبة.... لكن رغم ذلك بش نكتب عض الاشياء في المدة القادمة بما في ذلك حول وضع البلوغوسفير...

اليوم بش نتحدث على الجزء إلي قضيتو من عطلة الصيف في قليبية...

عندي مدة طويلة نمشي لقليبية... تقريبا من نهاية الثمانينات... كنا نمشيو، مع مجموعة من صحابي، نخيمو في شط "البالج" و نحضرو وقتلي انجمو مهرجان سينما الهواة.. يا حسرة! وقتها كانت فمة أفلام في مستوى لاباس بيه مش كيف توة كيف فهمت من عند بعض الاصدقاء ولى حتى الشكل مش فقط المضمون أمورو هكاكة و برة... نحب نشير بالمناسبة إلى أنو المهرجان هذا كان في مخي ديمة مربوط بشخص منذر القرقوري إلي ولى رمز متاع تشجيع السينما الهاوية في تونس و إلي عرفت إمخر في الصيف إلي هو توفى.. الله يرحم منذر القرقوري... قوس كان من الضروري نحلو

مبعد مرت السنوات.. و أصبح فمة سبب شخصي و عايلي يخليني نمشي أيضا لقليبية.. لكن المرة هذية كانت أكثر مرة عديت فيها وقت في قليبية... و عديت فيها وقت كافي بش نشوف برشة حاجات و خاصة نقارن بين قليبية توة و قليبية خمسطاش سنة أو أكثر لتالي...

الشط متاع قليبية

طبعا مش سر أنو شط قليبية من أحسن الشطوط في تونس.. مزيان... الجمهور زادة يعمل الكيف... جميع فئات المجتمع و كرة طايرة.. كبار و صغار.. إلخ الماء صافي و مازال صافي... و يظهرلي ما فماش أحسن من التصويرة هذية بش نأكد إلى ماء شط قليبية صافي



لكن فمة حاجات جديدة.. أولها أنو رمل الشط بدى يتمسخ.. و الوسخ في حافة الشط بدى يكثر.. ساشيات و دبابز و حتى شسمها هذيكة مش الكوش متاع الصغار، تي أك الكوش لخرى لقيتها مرة في وجهي و انا نعوم و فين، في شط "باريس الصغيرة" و ما أدراك.. قيل أنو بلدية قليبية خذات جايزة النظافة برشة مرات لكن فمة نوع من الشعور العام (سمعتو في الديار و المارشيات و القهاوي و طبعا في الشط بيدو) إلي في السنوات لخرة لومور تغيرت شوية.. و إلا برشة.. المهم تغيرت.. و المدينة ولات أقل نظافة من قبل.. أو أوسخ من قبل حسب زاوية النظر إلي تغزر منها

قطاع غزة.. في قليبية

من الاشياء إلي خلاتني نكتب على قليبية و خاصة وضع بلدية قليبية هي وضعية شفتها بعيني و ما صدقتش... خلي كان يحكيولي عليها.. و لذا قلت زايد يلزم نسجلها في فيديو بش الناس تفهم... عندي قضية في نهج قريب من وسط البلاد.. نعتني واحد صاحبي يسكن في تونس قالي امشي في الكياس الرئيسي إلي يشق قليبية (و إلي هو "طريق وطنية" تشق الوطن القبلي الكل) و انت خارج من بحذة محطة اللواجات و ماشي للغزاز (حام الغزاز) فمة نهج تلقاه على يسارك اسمو "نهج منزل بورقيبة" تعدى منو أتوة تلقى البلاصة... السيد إلي نعتني عندو مدة على قليبية و ما فيبالوش بـ"التطورات" الجديدة فيها.. المهم هاو شنوة يصير كيف نتبع الطريق هذا.. هاو الفيديو شوفو بعينيكم



لقيت متاريس في قلب نهج ("نهج منزل بورقيبة") مسطر عليه من البلدية يعني في قلب الطريق العام.. سئلت قالولي فمة عايلة عملت المتاريس هذيكة في اطار خلاف حول البني... المهم لحكاية معقدة و متاع رخص بني و ما نعرفش شنوة... أما كيفاش عايلة تاخذ موقف تجي تعمل متاريس في قلب الطريق العام.. آخي هذا ما يتسماش تمرد على السلطات.. يعني لو كان المسألة تاخذ بعد سياسي و نحسبو هذومة ناس ماخذين موقف سياسي يقعدو زعمة يتفرجو فيهم... و في الحقيقة في الأساس و عمليا هذا موقف تحدي للأمر الواقع السياسي... لأنو حيازة الطريق العام بدون رخصة و اكثر من هكاكة غلق و قطع الطريق العام بالقوة موضوع حساس برشة من الناحية القانونية...

المثير أكثر للانتباه هو أنو وقتلي أنا غادي وقع إقالة رئيس البلدية متاع قلبيبة... عملية الاقالة أو الاستقالة (؟) إلي ما فماش تفاصيل و أسباب رسمية ليها هذية جات بعد حضور رئيس البلدية اختتام "مهرجان سينما الهواة" و تصفير الجمهور الحاضر عليه وقتلي عطى طابع سياسي رسمي متاع "تمجيد" و "مناشدة" في كلمة الاختتام.. السيد رئيس البلدية (السابق) إلي يقولو عليه أهل قليبية "ناس ملاح" و "مش متاع سياسة" قام يضحك و هبط من المنصة بما يوحي أنو ما هموش برشة في الموضوع و ما يحبش يعمل قاوق... المهم رئيس البلدية السابق متاع قليبية فمة أكيد عدة أسباب لإقالتو (إذا كان تتم على أساس قانوني) و بالتأكيد تراجع النظافة في الشط (مصدر رزق رئيسي لقليبية) أو وضع متاريس في الطريق العام من بين الأسباب إلي تأدي من المفروض للاقالة.. لكن يبدو أنو فمة الأسباب الاخرى أدات لإقالتو... و زعمة رئيس البلدية الجديد و المجلس البلدي و بقية "القيادات" متاع البلدية بالطبيعة بما في ذلك الكاتب العام و غيرو ما تتحملش مسؤولية في وضع كيف هكة؟

المقاهي/المطاعم على الشط و المنصورة

فمة حاجة لفتت انتباهي كيف نبداو ماشين لشط المنصورة على اليسار فمة ثلاث مقاهي/مطاعم جديدة.. ما فهمتش علاش مبنيين بالحجر من داخل و باللوح من برة.. سمعت إلي ممنوع البني غادي و هذاكة علاش فمة تمويه من خلال البني من اللوح من برة... المهم وضعية معمارية فريدة من نوعها.. تجديد بصراحة في فن العمارة و البني

أخيرا هذية ملاحظة متاع نوستالجيا بالأساس.. قبل "مطعم المنصورة" كان من المطاعم الهايلة و معروف ربما في بقية أنحاء تونس... كان عندو طابع شعبي و مش مكلف برشة... كانت الناس تشري الحوت و تجي تشويه غادي... المطعم عندو وضعية خاصة بسبب أنو على الصخر و فمة طواول و كراسي على الماء.. أو بالأحرى على شط حجر صغير كاينو مجموعة بيسينات.. ربما هو أحسن شط في قليبية.. المهم المطعم توة عندو مدة ولى ضخموني و ماشي و يولي ضخموني أكثر بالريزرفاسيون و قبل جمعة.. ربما حاجة باهية أنو يجيو توريست لقليبية من الناحية المبدئية... يدخلو أكثر فلوس ربما.. لكن إذا كان نحب قليبية فإنها من البلايص القلائل إلي بعيدة على التوريست و أجواء التوريست.. يعني بشكل عام قليبية متاع توريست توانسة إذا كان كثرت...

لكن رغم هذا و ذاك فإنو قليبية و ناسها (عموما طبعا) تخليها بلاصة يطيب التصييف فيها.. و ما فماش علاش تفسد نتيجة للاهمال و قلة المسؤولية

عدد التعاليق: 3


رمضان مبروك لجميع الصديقات و الاصدقاء

مقال صادر في "العرب" القطرية 23 أوت

http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=94714&issueNo=610&secId=15

أحمد بن صالح (5)

طارق الكحلاوي

2009-08-23
يشير الزعيم التاريخي لـ «اتحاد الشغل» الحبيب عاشور في مذكراته إلى ظروف عقد «مؤتمر صفاقس» سنة 1955، حيث يشير إلى طرح بورقيبة أمامه فكرة عقد مؤتمر بعيداً عن العاصمة تونس، لكونها معقل صالح بن يوسف، وأين يمكن له أن يشكل أغلبية مؤتمرين من المساندين له بما يقلب المعادلة التي لم تكن في صالحه بفعل المساندة الشعبية الواسعة، ولكن غير المنظمة، لموقف صالح بن يوسف. يذكر عاشور بوضوح مساعدته لبورقيبة الحثيثة في عقد المؤتمر والذي كان مكان عقده، أي مدينة صفاقس، مقترح عاشور نفسه. إذ كان الأخير يحظى بنفوذ نقابي واسع في المدينة التي شهدت أحداث 5 أغسطس سنة 1947 الدامية والشهيرة والتي كان قادها عاشور، وكانت سببا في سجنه ونفيه المتواصل من قبل قوى الاحتلال.
وقد أكد لي الصادق بسباس، في لقاء معه هذا الأسبوع، والذي كان أحد الصحافيين الشبان في هذه المرحلة الذين غطوا «مؤتمر صفاقس» وكان مقربا كذلك من عاشور أن «حراسة» المؤتمر خاصة في محيط عقده في أنهج وشوارع مدينة صفاقس كانت بإشراف النقابيين المقربين من عاشور. أشار بسباس كذلك إلى الشعور العام بأن عاشور كان وراء التنظيم اللوجستي للمؤتمر. ورغم أن عاشور، المقرب بشكل كبير من بورقيبة، لم يكن يشغل سنة 1955 منصب «الكاتب العام» للاتحاد بسبب ظروف نفيه داخل البلاد فقد كان ينظر إليه آنذاك على أنه أحد الخلفاء المنتظرين لمؤسس «الاتحاد» فرحات حشاد، والذي اغتيل من قبل قوى الاحتلال سنة 1952.

يقر أحمد بن صالح بنفوذ الحبيب عاشور آنذاك في أوساط «الاتحاد» حتى أنه أشار إلى أنه كان من بين اثنين زارهما في منفاهما للاستئناس برأيهما في خصوص ترشحه لموقع «الكاتب العام»، وكان الآخر الزعيم التاريخي الآخر للمنظمة النقابية أحمد التليلي. يشير بن صالح إلى زيارته عاشور في مقر منفاه في مدينة «المحرس» والتليلي في ميدنة «منوبة». العلاقة بين القادة الثلاثة ستشكل محور جزء هام من التجاذب النقابي بدءاً ثم السياسي الذي حدث في البلاد منذ سنة 1955 حتى ستينيات القرن الماضي. وضمن محور التجاذب هذا، يمكن لنا أن نرى تاريخا أكثر تعقيدا بالنسبة لقيادة البلاد يتجاوز الصورة المهيمنة التي تضع بورقيبة كصانع وحيد للأحداث فيها. وتحايلنا كذلك على وضع أصبح فيه «الاتحاد»، ومن ثم قادته، ومنذ «مؤتمر صفاقس» مصدر ثقل استثنائي مقارنة ببقية «المنظمات القومية» في البلاد.

تاريخ العلاقة بين هذا الثالوث (عاشور- التليلي - بن صالح) يحيل خصوصاً على عبثية أي طرح يتحدث بجدية عن «استقلالية» آنذاك للمنظمة النقابية عن الحزب ثم عن السلطة، وكذلك على تفرد بن صالح (من بين الثالوث) بنظرة تستهدف هذه «الاستقلالية». يشير بن صالح بشكل خاص إلى «فيتو» من قبل قيادة الحزب ضد تقلده موقع «الكاتب العام» في مؤتمر «الاتحاد» في صيف سنة 1954، وبالتحديد من قبل أقوى رجل في قيادة الحزب داخل تونس تلك السنة المنجي سليم. حسب بن صالح تدخل التليلي، الذي كان أيضاً عضواً في قيادة الحزب إلى جانب موقعه النقابي، لدى سليم حتى يرفع الحزب «الفيتو» عن ترشح بن صالح لموقع «الكاتب العام» للمنظمة النقابية بما يشير إلى العلاقة المعقدة بين الحزب والنقابة والتي يمكن لنا أن نسبغ عليها أي شيء إلا تعبير «الاستقلالية».

المحطة الموالية للعلاقة بين الثالوث تأتي بمجرد عقد «مؤتمر صفاقس» وحسم بورقيبة للصراع حول أداة الحزب بينه وبين بن يوسف وحين أصبح «الاتحاد» ذاته مصدر قلق لبورقيبة. النفوذ المتصاعد للمنظمة النقابية كان على الأرجح مدعاة للقلق لقيادات سياسية لا تملك مفاتيح هذه المنظمة التي تنافس الحزب في عدد المنخرطين، ولكن أيضاً على مستوى البرنامج. كان إعداد «التقرير الاقتصادي والاجتماعي» سنة 1954 الصادر عن «الاتحاد» ومحاولة تمريره في «مؤتمر صفاقس» سنة 1955 في سياق النقاشات الحاصلة ضمن «اللجنة الاقتصادية» للمؤتمر موضوع جدل حاد خاصة في أوساط الحزب إذ كان أساس اتهامه بأنه «شيوعي» متخفٍ.

يتحدث بن صالح بفخر واضح عن التقرير الذي يقدمه كأول مشروع واضح يواجه الوضع الاجتماعي والاقتصادي القائم. قصة التقرير كما ينقلها بن صالح بدأت مع زيارة رئيس الوزراء الفرنسي منداس فرانس التاريخية في 31 يوليو سنة 1954 حينما أعلن موافقة فرنسا على التفاوض مع الحركة الوطنية التونسية على مبدأ «الاستقلال الداخلي». يقول «الكاتب العام» للمنظمة النقابية آنذاك إن الموقف الفرنسي كان مفاجئاً وجاء والحزب ذاته لم يكن جاهزا للإمساك بجهاز الدولة خاصة تسيير دولة ناشئة وفقا لبرنامج اقتصادي واجتماعي واضح المعالم وكان الحزب مجرد «كتل» متصارعة وفريق من المحكمين بينها مثل المنجي سليم، «ينظف القوم الفاسقين» يضيف بن صالح بشكل ساخر.

يذكر بن صالح أنه جمع فريقا مكونا من 10 كوادر من «الاتحاد» أو من المقربين من المنظمة النقابية خاصة من بين المهتمين بالملف الاقتصادي والاجتماعي مثل عزالدين العباسي والبشير الناجي وأحمد الكناني ومصطفى الدلاجي والطاهر عميرة ومصطفى الفيلالي. وأيضا اليهودي التونسي سارج غيتا الذي كان مصدرا بحكم وظيفته للمعطيات الاقتصادية والمالية، وكان سابقا عضوا في «النقابة الشيوعية» الفرنسية التونسية قبل التحاقه بـ «الاتحاد». التقرير لم يكن غير مسبوق بل كان مبنيا على جهود سابقة ضمن «الاتحاد» للمساهمة في تحليل الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد والتي كان من بينها ورقة صيغت في مرحلة قيادة فرحات حشاد للمنظمة بعنوان «المشاكل الاجتماعية في تونس». يقول بن صالح إنه كان خلدونيا متأثرا برؤى بن خلدون، وبالتحديد ضرورة «أن نحلل المجتمع» قبل المبادرة إلى عرض صيغ حلول اقتصادية واجتماعية، ويشير في ذات الوقت إلى كتاب «المقدمة» جانب طاولته الصغيرة إلى يساره و «الذي لا يفارقني» كما يقول.

ينفي أحمد بن صالح بالمناسبة أن التقرير كان من كتابة شخص واحد، بما في ذلك مصطفى الفيلالي. كما ينفي أنه من إعداد الاقتصادي الفرنسي ذي الميولات الماركسية جيرار دو برنيس (Gérard Destanne de Bernis) كما أشار الحبيب عاشور. دو برنيس الذي بقي صديقاً لبن صالح حتى الآن (أهداه نسخة من آخر كتبه، وكان عضواً في لجنة الدكتوراه لبن صالح في السوربون) اختص في قضايا «التنمية» في العالم الثالث (خاصة بالنسبة للجزائر في وقت لاحق)، وكان حسب بن صالح «مستشارا» عند إعداد التقرير، ولم يكن يعرف أي معطيات حينها حول تونس. غير أن مشاركة دو برنيس بأي شكل حتى في إطار «استشاري» تحيلنا على المرجعية الفلسفية العامة للتقرير والتي لا تعكس في الحقيقة مرجعية «شيوعية» مثلما أشارت الاتهامات الموجهة من قيادات الحزب ضد بن صالح، ولكن مرجعية «اشتراكية ديمقراطية» صاعدة أوروبيا إثر نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي المرجعية التي ستؤطر رؤى بن صالح إثر ذلك.

كان إصدار التقرير ومحاولة تمريره في «مؤتمر صفاقس» بمثابة ناقوس الخطر بالنسبة لبورقيبة إذ مثل تحديا للدور المتفرد الذي كان يتمثله. وقام حينها بورقيبة بالتدخل لإحداث انشقاق في المنظمة النقابية ضد أحمد بن صالح. إذ شجع الحبيب عاشور لتأسيس منظمة نقابية جديدة منشقة عن «الاتحاد» ثم شجع أحمد التليلي على الانقلاب على بن صالح سنة 1956 وتنحيته من موقع «الكاتب العام». وكانت تلك أول عملية، من بين عديد العمليات التي سيقوم بها زعيم الدولة حتى تنحيته من السلطة سنة 1987 للتدخل بشكل فاضح في شأن المنظمة النقابية إذ كان يعتبرها جزءاً من السلطة أو لا تكون. وأحداث سنة 1956 من انشقاقات نقابية بإيعاز من الحزب وبورقيبة تضع الروايات اللاحقة لكل من عاشور أو التليلي حول تهديد «استقلالية» المنظمة النقابية بتدخل السلطة في أواسط الستينات والإشارة إلى بن صالح بوصفه متهما متفردا في هذا السياق تضع هذه الروايات على ضوء مختلف تماما. إذ عندما يتعلق الأمر بموضوع «استقلالية» المنظمة النقابية عن الحزب والسلطة فنحن لسنا إزاء تاريخ أسطوري فحسب بل أيضا إزاء وضع لا يوجد فيه أبرياء.


لا يوجد أي تعليق



مقال صادر في "العرب" القطرية بتاريخ 16 أوت
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=93807&issueNo=601&secId=15

أحمد بن صالح (4)

طارق الكحلاوي


في سياق الحديث مع أحمد بن صالح تفهم من الوهلة الأولى أنك تستمع إلى راو يحذق فن الحكاية. كنت أعرف من جدي أن أهل مدينة «المكنين» الساحلية -نفس المدينة التي ينحدر منها بن صالح أيضا- يحذقون الحكي. في بعض المرات لا أكاد أميز بين ذكرى جدي الراحل وهو يحكي لي ذاكرته بتأن وهدوء لافتين وبين حديث بن صالح عن ماضيه. إن الرجلان ربما لم يتقاسما -إضافة إلى فن الحكاية- سوى عشق الغناء الشعبي المتأصل في مدينتهما. وكلاهما يحفظ عن ظهر قلب قصائد غنائية طويلة يستحضرانها بسرعة مذهلة في اللحظة المناسبة للحكاية.

ومثلما كان يحصل مع جدي، فإني أستمتع بالاستماع لحكايات بن صالح، ولا أرغب في لحظات كثيرة أن أسأل عن صدقية المقول والمحكي، حتى لا أقطع ذلك التسلسل المشوق للحكاية. غير أن بديهة المؤرخ فيّ لا يمكن ألا تحاول التدخل في نسق الرواية. كان من الضروري أن أطرح أسئلة مفصلية ربما أصعبها: كيف ولماذا انخرط أحمد بن صالح -بوصفه على رأس قيادة أهم منظمة مدنية شعبية قبيل الاستقلال، منظمة «الاتحاد العام التونسي الشغل»، المنظمة النقابية الوحيدة في البلاد- في إنجاح «مؤتمر صفاقس» سنة 1955 والذي حسم عمليا الصراع البورقيبي اليوسفي خاصة في جانبه السياسي والحزبي لمصلحة بورقيبة عندما كان فريق «الأمانة العامة» -أي فريق «الأمين العام» للحزب صالح بن يوسف- وفقا للروايات السائدة قد افتك السيطرة على شعب كثيرة في الحزب خاصة في مدن كبرى مثل تونس ذاتها وجهات الدواخل والجنوب؟ كيف ولماذا أسهم بن صالح بشكل حاسم -ليس كشخص ولكن من خلال دوره في قيادة منظمة مهنية كبيرة- في إنهاء الصراع على سلطة الدولة الوليدة لمصلحة بورقيبة، أي جلاده اللاحق؟
لم يكن الموضوع مجرد صراع بين رجلين فحسب، بل بين رؤيتين. لكن ما من شك أنه كان هناك الكثير من التنافر الشخصي بين بن يوسف وبورقيبة، رغم التاريخ والمسيرة الذاتية التي تجمعهما. كان الاثنان من مؤسسي الحزب «الدستوري الجديد» الشبان على إثر الانشقاق عن «الدستوري القديم». كان الاثنان قد تكونا ضمن السياق التعليمي الحديث وغادرا إلى فرنسا لتعلم المحاماة. كان الاثنان حريصين على تنمية صورتهما الشخصية. تأخر نجم بن يوسف عن البروز مقارنة ببورقيبة، إذ لم يستطع التحول إلى أحد «نجوم» الحزب إلا عندما غادر بورقيبة إلى القاهرة في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي، خاصة حين نجح في تجميع مختلف القوى السياسية والمدنية تحت شعار «الاستقلال»، وحينها يبدو أن بن يوسف تمثل في نفسه زعامة الحزب بشكل راسخ.

لكن مع كل التقلبات التي طبعت النصف الأول من الخمسينيات في سياسات «الدستوري الجديد» في التراوح بين المفاوضات والمشاركة في الحكم المحلي القائم إلى حمل السلاح والمقاومة المسلحة، لم يظهر أن هناك تنافرا على مستوى الرؤية بين الرجلين. فقط مع حضور بن يوسف مؤتمر باندونغ واكتشافه التحالف «العالم ثالثي» الصاعد وبروز نجم عبدالناصر، بدأ يفهم العالم ووضع بلاده من زاوية جديدة، ويضع تطلعاته الوطنية ضمن مرجعية فكرية أكثر وضوحا. حينما طرحت فرنسا مقترح «الاستقلال الداخلي» على طاولة المفاوضات والذي يجعلها تتفرغ بشكل واضح لمواجهة «الثورة الجزائرية» الصاعدة مقابل منحها سلطات داخلية محدودة لـ «الدستوري الجديد» مع استمرار الحضور العسكري الفرنسي في بعض النقاط الاستراتيجية في البلاد، رأى بن يوسف في المقترح «خطوة إلى الوراء». كان أي قبول بهذا المقترح بالنسبة إليه تأسيسا لقطيعة مع حركة تحريرية مغاربية لم يكن متوقعا منها أن تحقق استقلالها الكامل بشكل مشترك فحسب، بل أيضا أن تؤسس الدولة الجديدة بشكل مشترك. لم يعد الصراع البورقيبي اليوسفي الخافت حتى ذلك الوقت مجرد صراع على الزعامة، بل أصبح صراعا فكريا سياسيا حادا.

إثر الاستقبال التاريخي المظفر لبورقيبة الذي اعتبر «الاستقلال الداخلي» المقترح من قبل فرنسا «خطوة إلى الأمام»، يذكر بن صالح أنه شارك في استقبال بن يوسف العائد إثر بورقيبة إلى البلاد في خضم هذا الصراع على متن السيارة التي نقلت بن يوسف، في الوقت الذي استقبل فيه بورقيبة في صورة الفاتحين على ظهر حصان، والتي كان بن صالح فيها مع قياديين آخرين في الحزب جنبا إلى جنب الزعيمين المتنافرين، ينقل بن صالح أن التوتر كان واضحا. ينقل بن صالح أن بن يوسف كان يسخر من الاستقبال المخصص له مرددا ضاحكا عند تحية الجمهور الرابض على حافة الطريق: «إي شوية شعبيات... شوية شعبيات» (نعم القليل من الشعبوية). يذكر بن صالح أنه مع قياديين آخرين في الحزب كانوا يحاولون جمع يدي الزعيمين ورفعهما إلى الأعلى في سياق دعم المصالحة بينهما.

وفي العموم تتركز رواية بن صالح لموقفه خلال الصراع البورقيبي اليوسفي على موقفه «الوسطي» و «التوسطي» أيضا. يقول بن صالح إنه حاول التوسط لدعوة بن يوسف للمؤتمر حتى ينعقد بحضور الأمين العام، عشية عقد المؤتمر في مدينة صفاقس وسط الجنوب التونسي حيث يوجد ثقل تاريخي لـ «اتحاد الشغل»، وحيث كانت إحدى الكلمات الافتتاحية للمؤتمر تلك التي ألقاها بن صالح ذاته بما يعكس الدور الحاسم للمنظمة النقابية في تنظيم المؤتمر، يشير بن صالح إلى محاولته المتكررة مع الفرجاني بالحاج عمار، رئيس «اتحاد الصناعة والتجارة» المشارك في المؤتمر، للاتصال هاتفيا ببن يوسف. يلمح بن صالح إلى أن بن يوسف لم يشأ في البداية الرد على المكالمات، غير أنه رد أخيرا. عرض عليه أخيرا باسم المؤتمر الحضور لصفاقس للمشاركة في المؤتمر. رد بن يوسف كان حاسما إذ ينقل بن صالح أن الأمين العام للحزب قال له: «تحبني نجي يا سي أحمد وجماعة الوردانين مطوقين المؤتمر» (تريدني أن أحضر ومجموعة الوردانين من المسلحين يطوقون مكان المؤتمر). كان بن يوسف يشير إلى ميليشيا جديدة تكونت تعاضد بورقيبة تحت قيادة أحد أهم قياديي المقاومة المسلحة سابقا حسن عبدالعزيز أصيل مدينة الوردانين الساحلية. بدا الاحتقان وفق رواية بن صالح شديدا ويشير في الأثناء إلى أنه لم يفهم أن الوضع بدأ في التطور من مجرد صراع سياسي إلى صراع مسلح بين الطرفين.

سألت هنا بن صالح كيف دعمت هياكل «الاتحاد» موقف بورقيبة في الوقت الذي يتردد فيه أن مدينة تونس كانت معقلا لبن يوسف؟ هل كان ممثلو النقابة في معاقل بن يوسف متميزين بشكل كامل عن أعضاء الحزب فيها؟ سألته كيف تتم دعوة بن يوسف للمؤتمر عشية عقده فقط؟ وهل هناك أي جدوى في عقد المؤتمر بحضور شخص بن يوسف دون حضور مؤتمرين يمثلون شعب الحزب التي تدعمه؟ سألته أيضا عما يتردد من أن الميليشيات التي حرست المؤتمر لم تتكون من «جماعة الوردانين» التابعة لبورقيبة فحسب، بل أيضا من ميليشيات نقابية متكونة من نقابات مثل «نقابة البطالين» (العاطلين عن العمل) التي كانت مقربة من الزعيم الأقوى للاتحاد الحبيب عاشور؟

لم تبد لي إجابات بن صالح على هذه الأسئلة حاسمة. أشار إلى عدم علمه بوجود ميليشيات نقابية، ولو أنه لم ينف تماما وجودها مثلما أشار إلى عدم علمه آنذاك بوجود ميليشيات «جماعة الوردانين». أشار إلى أن عقد «مؤتمر صفاقس» كان قرارا حظي بـ «شبه إجماع» في اجتماع المجلس الوطني للاتحاد (باستثناء ممثلي «اتحاد» مدينة بن قردان أقصى الجنوب التونسي). تجنب الإجابة عن ظروف عقد المؤتمر خاصة كيفية تجاهل بن يوسف في قرار ومكان عقده. بدت لي حيرة بن صالح نابعة ليس فقط من شعور دفين بتحمل المسؤولية، لكن أيضا من محدودية نفوذه آنذاك داخل «اتحاد الشغل»، وهو الشاب الذي لم يتجاوز حتى سن الـ 30، إذ رغم أنه كان «الكاتب العام» للمنظمة النقابية، فإن الحبيب عاشور الزعيم التاريخي لـ «الاتحاد» وأصيل جزيرة قرقنة المحاذية لمدينة صفاقس وحيث يحظى بدعم نقابي لا محدود، كان على الأرجح المهندس الفعلي لـ «مؤتمر صفاقس».


لا يوجد أي تعليق



مقال صادر في "العربّ القطرية الاحد9 أوت
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=92627&issueNo=594&secId=15

أحمد بن صالح (3)

طارق الكحلاوي


لم يكن بن صالح ملاكاً، بل كان رجل سياسة، ولا يزال. بدت لي بديهية هذه الجملة في حاجة للتأكيد لبعض الإخوة الذين علقوا على مقالتي الأخيرتين حول الرجل. ومن البديهي أيضا أني أكتب عنه وأنا على وعي كامل ببديهة مماثلة. ليس بن صالح بوصفه شاهدا على نفسه هو في موقع الشاهد المحايد، إذ هو، حتى من موقع الشاهد يبقى رجل سياسة. وبعد هذا وذاك مَن هو الشاهد الذي لا يحتاج إلى إثبات؟

نعم أشعر بالتعاطف مع رجل يبدو لي من المثقفين القلائل الذي تمرسوا وفي سن شاب على خوض معترك السياسة زمنَ التحرير وبناء الدولة الوطنية، وكان من هذا الموقع من القلائل الذين تصرفوا بندية مع الرئيس الراحل، واسع السلطات وبلا منازع، الحبيب بورقيبة، خاصة بعد رحيل مؤسسين لـ «الدستوري الجديد» من الطراز الثقيل مثل علي البلهوان والحبيب ثامر وصالح بن يوسف. نعم أشعر بالتعاطف مع شخصية ذلك الشاب في وسط سادته، ولا تزال، العقلية «الأبوية» التي تمنح بالكاد بعض مساحة السلطة للوجوه الشابة والجديدة. نعم أشعر بالتعاطف مع من يتم طمس مساهمته وجهده بمجرد اختلافه مع «الزعيم». وفي هذا المقام بن صالح ليس وحده، إذ من الطبيعي أن أتعاطف مع الكثيرين غيره. غير أن ذلك لا يمكن أن ينقض معطيات وسياقات موضوعية تحيلنا عليها سيرة بن صالح مثل التاريخ الأسطوري لـ «استقلالية» المنظمة النقابية في البلاد، إذ يريدنا البعض أن نصدق أن بن صالح يتحمل مسؤولية فردية في ضياعها، وكأنه من الممكن لـ «تاريخ الأفراد» هذا أن يوجد أصلا.
ورغم هذا التعاطف أيضا كان يجب أن أطرح الأسئلة الصعبة على رجل ليس من المتوقع أن يفاجَأ بها. كانت تتجاذبني، بشكل خاص، أسئلة العلاقة بين بن صالح وصالح بن يوسف. مثلما ذكرت في المقال السابق (الثاني) كان من المثير أنهما كانا من بين الأوائل في الحركة الوطنية الذين تقاسموا فكرة «التحالف» بين «الحزب» و»النقابة» أو ما وقع تسميته بـ «العمالية على الطريقة التونسية» (للتميز عن النموذج «العمالي» البريطاني) وكان ذلك مجرد مظهر آخر على عدم تفرد بن صالح بمبدأ تجاوز «استقلالية» النقابة عن الحزب.

كان الحديث عن بن يوسف متواتراً لدى بن صالح وكان في كثير من الأحيان حديثاً فيه بعض الحسرة والتعاطف وبالخصوص التجاذب بين ميله العاطفي لبورقيبة إزاء ريبته في البداية من بن يوسف الذي رأى فيه بداية الخمسينيات رمزاً لما يسميه «أكابر» الحزب الذين حادوا عن مبادئه. تحدث مثلاً عن عدم تصديقه معظم وجوده في السلطة في ستينيات القرن الماضي الأخبارَ التي تشير إلى بورقيبة نفسه بالتورط في اغتيال بن يوسف زعيم الحزب الأكثر شعبية حتى سنة 1956 والذي كان المنافس الأقوى لبورقيبة على حكم البلاد. كانت صورة بورقيبة، تبعاً لبن يوسف، صورة هلامية ورومانسية وبدأت في التلاشي تحديدا في علاقة بالصراع بين بورقيبة وبن يوسف. يشير بن صالح إلى مسار «اكتشف» فيه بعناء الصورة الواقعية لبورقيبة. في خضم الصراع اليوسفي البورقيبي سنة 1956 يصف إحدى زياراته إلى مقر سُكنى بورقيبة في مدينة المنستير مع أحد قياديي «اتحاد الشغل» وكيف كان يحاول الرئيس الراحل متوترا إقناع زائريه ويضرب على ساق محاوريه بقوة صارخا باللهجة الدارجة «العبوا كارطة بورقيبة» (العبوا ورقة بورقيبة). بدأت صورة «الزعيم» الرصينة تتصدع في المخيلة الرومانسية للشاب بن صالح.

يشير بن صالح أيضاً إلى محاولاته «التوسط» بين الزعيمين واصفاً موقفه بالولاء لـ «السياسات الوطنية» وليس للأشخاص. يشير إلى الموقف المحرج الذي وضعه فيه بورقيبة عندما وافق بناءً على طلب من القيادي جلولي فارس الذهاب إلى بن يوسف واعداً إياه بتأجيل بورقيبة قرار طرد بن يوسف من صفوف الحزب. دخل بن صالح إلى غرفة جلوس بن يوسف والأخير يتكلم في الهاتف بالفرنسية، ثم توجه بن يوسف إلى بن صالح متسائلا عن سبب الزيارة خاصة أن بن صالح كان مرفوقا بأحد قادة المقاومة المسلحة الموالين لبورقيبة، وهو ما بدا لبن يوسف بمثابة التهديد. بادر بن صالح لطمأنة بن يوسف مشيرا إلى عزم بورقيبة تأجيل قرار الطرد. حينها ضحك بن يوسف وبادره بالقول باللهجة الدارجة «أنت نية يا سي أحمد» (أنت ساذج يا سيد أحمد)، إذ أخبر أحد العاملين بوكالة «فرانس بريس» منذ لحظات بن يوسف بوصول بلاغ الطرد إلى الوكالة. وحتى الآن لا يبدو أن بن صالح قد تخلص من الرغبة في منح بورقيبة بعض حسن النية، إذ يشير في أثناء روايته لأخبار من هذا القبيل إلى تأثير بطانة بورقيبة في الأخير خاصة في التحريض على إذكاء نار الصراع مع بن يوسف، ويشير بشكل خاص إلى دور كل من محمد المصمودي والبشير بن يحمد.

بقيت هذه الثقة، خاصة في علاقة بنوايا بورقيبة إزاء بن يوسف، حسب رواية بن صالح حتى المرحلة الأخيرة من بقائه في السلطة وعلاقته الوردية مع بورقيبة حتى آخر ستينيات القرن الماضي، أي بعد سنوات من اغتيال بن يوسف في فرانكفورت سنة 1961. تلاشت هذه الثقة في خضم الصراع مع كتل السلطة الأخرى خاصة تلك المحيطة بحرم الرئيس وما يمكن تسميته بـ «ميليشيا» بورقيبة مثل البشير زرق العيون الذين كانوا حسب بن صالح يسعون لجني مكاسب شخصية على أساس الشرعية التاريخية، وهو ما كان يرفضه بن صالح من خلال موقعه في السلطة الذي كان يسيطر فيه على وزارات ذات بعد اقتصادي ومالي. يروي بن صالح كيف استدعاه بورقيبة ذات ليلة في ذروة هذا الصراع إلى قصره الصيفي في ضاحية المرسى، خاصة بعد مكالمة هاتفية عاصفة لبن صالح مع وسيلة بن عمار زوجة بورقيبة تدخلت فيها لمنح بشير زرق العيون بعض الامتيازات. دخل بن صالح حديقة القصر ليجد بورقيبة مع وسيلة في لباس صيفي وبادر الاثنان لاستقباله بحميمية على العشاء. قضى الجميع السهرة في أحاديث جانبية ليس لها علاقة بالصراع القائم إلى أن قام بورقيبة باستدعاء بن صالح إلى مكتبه الشخصي. تعرض بورقيبة إلى موضوع زرق العيون وضرورة منحه ما يريد لقاء «الخدمات» التي قدمها للدولة ولبورقيبة شخصيا. وحينها بادر بورقيبة إلى عرض رسالة قال إنها بخط صالح بن يوسف يأمر فيها أحد معاونيه بالتحضير لاغتيال بورقيبة، وهنا بالتحديد أشار بورقيبة بوضوح إلى قيامه بأمر زرق العيون باغتيال بن يوسف «قبل أن يتغدى به». يروي بن صالح كيف أن «الصدمة كانت كبيرة» بالنسبة إليه، إذ لم يصدق حتى تلك اللحظة أن يسمح زعيم حركة تحررية مثل بورقيبة لنفسه بقتل رفيق كفاحه ببرود في المنفى. شعر بن صالح أن اللقاء كان يعني أن الجميع معرض للاستئصال والإلغاء وحتى القتل إن لزم الأمر إذا ما وقف أمام رغبة الزعيم ورجاله المقربين.

بدا لي حينها أن مأساة بن صالح الحقيقية اكتشافه أنه ليس من «رجال بورقيبة المقربين» خاصة بالنسبة لرجل بنى خياراته السياسية على أساس الثقة شبه المطلقة في بورقيبة. يشير بن صالح الآن بأثر رجعي إلى أن الرسالة التي أظهرها له بورقيبة لا تحمل في الحقيقة خط بن يوسف وهو الذي كان يعرف خط الرجل عن قرب. إذ يشكك بن صالح في صحة هذه الرسالة الشهيرة التي يتم استعمالها في السنوات الأخيرة بمثابة قميص عثمان الذي يتم به تبرير اغتيال بن يوسف، بما في ذلك من قبل قيادات «ميليشيا» بورقيبة مثل مدير الحزب محمد الصياح في إحدى شهاداته التاريخية.

لكن إزاء هذه الحسرة خاصة الرغبة في التركيز على رواية يظهر فيها بن صالح في موقع «التوسط» بين الزعيمين، تشير الأحداث إلى دور حاسم أسهم فيه في سياق دعم بورقيبة في اللحظات الحرجة في الصراع البورقيبي اليوسفي. يتعلق ذلك بدوره في تنظيم «مؤتمر صفاقس» للحزب سنة 1955 والذي قلب الموازين لمصلحة بورقيبة، وهي الحلقة التي ربما حسمت الصراع ليس بين الرجلين فحسب بل أيضا بين خيارين استراتيجيين للدولة الناشئة. وبهذا المعنى يبدو «مؤتمر صفاقس» السؤال الأصعب في مسيرة بن صالح.

لا يوجد أي تعليق



مقال صادر في "العربّ القطرية الاحد 2 أوت
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=91570&issueNo=587&secId=15

أحمد بن صالح (2)

طارق الكحلاوي

2009-08-02
اللقاء الذي صار بين أحمد بن صالح وصالح بن يوسف سنة 1953 في ستوكهولم أصبح مثيرا للاهتمام، بالتحديد من حيث التفاصيل الخاصة بالنظرة إلى «استقلالية» المنظمة النقابية التونسية عن الحزب الذي قاد مسيرة التحرير الوطني، وخاصة على عدم تفرده بالرؤية التي تميل إلى «تحالف» بين النقابة والحزب، خلال أواسط الخمسينيات، ولهذا يحتاج هذا اللقاء بعض التركيز والتأطير ضمن سياقه التاريخي. كان لقاءً للمشاركة غير المسبوقة للحزب في «الاشتراكية الدولية» (Socialist International) أحد المنظمات التي ستشكل حتى الآن أحد مراكز الثقل في العلاقات الدولية، وحيث سيحافظ بن صالح على وجود سياسي بارز حتى بعد إقصائه من السلطة في تونس. إذ نسج علاقات شخصية، مستفيدا من تمثيليته للحزب في بروكسيل، حيث كان أيضاً عضواً للمكتب التنفيذي في منظمة دولية أخرى شكلت منبراً مهماً بالنسبة للحركة الوطنية التونسية، ثم أيضاً في بدايات الدولة الوطنية «الكونفدرالية الدولية للنقابات الحرة» (International Confederation of Free Trade Unions) التي تأسست سنة 1949 في سياق الجدال حول «مشروع مارشال» ومن ثم تأثر النقابات بالصراع بين معسكري الحرب الباردة، كانت منظمة نقابية دولية ستوفر مدخلاً خلفياً للنفوذ الأميركي الدولي والعلاقات المتنامية بين قوى التحرر الوطني والولايات المتحدة خلال الخمسينيات. وهكذا مثلما كان وسيصبح في سياق الحركة الوطنية، كان بن صالح خلال الخمسينيات يلعب دوراً مزدوجاً نقابياً-سياسياً على المستوى الدولي، سيمنحه بعض المساحة للتحرك عندما يفقد نفوذه في تونس.

بوصفها امتداداً لـ «الأممية الاشتراكية» العتيدة أصبحت «الاشتراكية الدولية» الإطار الجامع للتيار «الاشتراكي- الديمقراطي» منذ مؤتمر فرانكفورت سنة 1951، وهو التيار الذي سيمثل قاطرة رئيسية للتحول نحو «دولة الحماية الاجتماعية» (welfare state) في السياق الغربي إثر الحرب العالمية الثانية بشكل عام. كما ستصبح «الكونفدرالية» النقابية المؤسسة حديثا وبسرعة الإطار الجامع للنقابات الموالية للأحزاب الاشتراكية الديمقراطية التي كانت تخوض صراعات محلية وإقليمية ضد النقابات الموالية أو القريبة من الأحزاب الشيوعية. إذ كان أحد سمات المرحلة الصراع ليس بين الليبرالية والتوجهات ذات الطابع «الاجتماعي»، بل أيضا الصراع حول مضمون هذه التوجهات «الاجتماعية» بين التيارين «الاشتراكي الديمقراطي» والشيوعي. وبشكل عام قام هذا الصراع الأخير بتغيير «العالم الحر» أو المعسكر «الرأسمالي» تعريفه لذاته. هذا السياق التاريخي الذي كان تشكّل للتو أو بصدد التشكل حدث أمام أعين الجناحين النقابي والسياسي للحركة الوطنية، وبالتحديد أمام أعين الناشطين الوطنين العاملين في الخارج، مثلما هو حال أحمد بن صالح وصالح بن يوسف خلال تنقلاته خارج البلاد. إزاء عزلة دولية تفرضها علاقات قوة كبرى آنذاك مثلما هي فرنسا كانت هذه الفرص للتواجد ضمن منابر دولية سمحت بها تحولات الوضع الغربي الداخلي فرصا غير مسبوقة للتأسيس للذراع الدبلوماسية للحركة الوطنية. غير أنها في نهاية الأمر أسست أيضاً ليس لانخراطٍ ذرائعيٍ للحركة الوطنية في هذا التيار الدولي بل جعلتها تتأثر من حيث المضمون.

وهكذا كانت دعوة صالح بن يوسف للمشاركة في مؤتمر ستوكهولم لـ «الاشتراكية الدولية» ليست مجرد مناسبة للتأثير الدبلوماسي القائم على قدم وساق في مصلحة الحركة الوطنية، بل أيضا جزءا من إرهاصات بداية التأسيس لتبني الحزب لخطاب ما بعد الاستقلال وأفكار بناء الدولة الوطنية. وهنا حدث لقاء بين الرجلين، بن يوسف وبن صالح، كان أيضا لقاءً فكرياً ساهم فيه بشكل حاسم السياق التاريخي الدولي، وبالتحديد الانخراط في تصاعد نفوذ التيار «الاشتراكي-الديمقراطي» على المستويين السياسي والنقابي. ولا يجب النظر إلى هذا الانخراط بشكل منفصل عن الإرهاص الدولي الآخر الحاسم بالنسبة لتشكل ملامح الحركة الوطنية، وبالتحديد تيار «عدم الانحياز» المنضوي ضمن الحركة «العالم-ثالثية» ذات العلاقة الوطيدة بالتيار «الاشتراكي-الديمقراطي» خاصة في الدول الغربية غير المنخرطة في تجارب استعمارية. هذا التيار الذي دخل مرحلة تأثير دولية جديدة غير مسبوقة إثر مؤتمر باندونغ سنة 1955. ما يجب التنصيص عليه هنا على الهامش أن مؤتمر باندونغ، هو المحطة الثانية وليس الأولى لمسار دولي في سيرة الشخصية الرئيسة المنافسة لبورقيبة في الحركة الوطنية صالح بن يوسف. والمحطة الدولية الأولى المهمشة نسبيا هي مؤتمر ستوكهولم سنة 1953.

يشير بن صالح في هذا الإطار إلى «التحرير المشترك» بينه وبين بن يوسف للخطاب الذي ألقاه الأخير في ستوكهولم، والذي لا يزال يحتفظ بنسخة من مسودته بخطه وبتصحيحات لصالح بن يوسف. يتحدث بن صالح عن «الالتقاء العفوي» في اختيار العبارات وتحديد الأفكار الرئيسية للخطاب. وتبدو العبارة والفكرة الرئيسية في الخطاب، الذي كتب بالفرنسية، هي «العمالية على الطريقة التونسية» (Travaillisme a la Tunisienne). ورغم شكلها الفرنسي فالفكرة تعبر بوضوح عن «الاستقلالية» المرجعية على مستوى أفكار بناء الدولة الوطنية عن السياق الفرنسي. إذ كانت حينها ترجمة شائعة لتيار نموذجي بريطاني في التجارب الاشتراكية الديمقراطية، النموذج «العمالي» البريطاني والذي استبدل العبارة الإشكالية لـ «الاشتراكية» بعبارة «العمالية» (Labourism)، وهو ما لم يكن مجرد تحديد تمييز مرئي ولغوي بين «الاشتراكية الشيوعية» و «الاشتراكية الديمقراطية» في مجال أنجلوسكسوني لا يزال يحافظ على علوية مرجعيته «الليبرالية» وريبته من أي مرجعية «اشتراكية» في الشكل أو المضمون، بل عبّر أيضاً عن تجربة تنظيمية وفكرية خاصة في بريطانيا انتقلت لاحقا إلى المجال الشمال أوروبي الاسكندينافي.

كان هناك وعيٌ بالتجربة العمالية البريطانية، حسب بن صالح، من قبل الاثنين عند تحرير الخطاب. طبعا هذا الوعي ومسار التأثر لا يعني ضرورة تمثُلٍ استنساخيٍ لهذه التجربة، ولكنْ تمثل استرشادي. النقطة الرئيسة هنا هي حول «التحالف» بل الارتباط العضوي التاريخي بين النقابي والسياسي. التحالف النقابي الواسع في بريطانيا (المؤسس منذ القرن التاسع عشر) «مؤتمر النقابات» (Trade Unions Congress) أسس منذ سنة 1900 لما سمي آنذاك بـ «اللجنة التمثيلية العمالية» والتي كان مقرراً لها أن تمثل «الطبقة العاملة البريطانية» في «مجلس العموم». كان يجب أن تمر عشريّتان على الأقل حتى أصبحت هذه اللجنة حزباً قائم الذات يلعب دوراً رئيسياً في الحياة السياسية البريطانية.

طبعاً نموذج تأسيس النقابة لحزب يمثلها سياسيا ثم التميز التنظيمي لهذا الحزب عن النقابة، وانعكاس الوضع ليصبح «حزب العمال» البريطاني أحياناً منافساً لـ «مؤتمر النقابات»، ليس نفسه مسار العلاقة بين الجناحين النقابي والسياسي للحركة الوطنية التونسية. ينقل بن صالح مثلا حادثة الفيتو الحزبي الذي كان مسلطا عليه من قبل أحد أبرز مسؤولي الحزب (المنجي سليم) معترضا على انتخابه في موقع الكاتب العام لاتحاد الشغل، وكيف أن نقابيا كبيرا ذا نفوذ سياسي في الحزب مثل أحمد التليلي كان وحده القادر على رفع هذا الفيتو. وهي حادثة لا تبدو متعارضة مع مؤشرات أخرى على النفوذ الذي كان يملكه الحزب على النقابة، والذي يؤكد مرة أخرى أنه يوجد نوع من الفكرة السائدة السابقة علي بن صالح أو التي لا يتفرد بها والقاضية بعلاقة «تحالف» أو ربما «خضوع» من أحدهما للآخر. بما يعني أن فكرة «الاستقلالية» غير ممكنة وفقاً لسياق أواسط الخمسينيات وحتى بعدها في الستينيات، من جهة القيادات النقابية والسياسية على السواء. وهو ما يجعلنا أمام تاريخ «أسطوري» أو متوهم لمبدأ «الاستقلالية».

من جهة أخرى فإن محصلة التجربة البريطانية هي هذا التحالف الهيكلي والفكري والسياسي، والذي كان على ما يبدو يجذب الاهتمام والانخراط لدى حركة وطنية لا يبدو أنها فكرت بما فيه الكفاية في ما بعد الاستقلال. أفكار مؤتمر ستوكهولم التي جمعت بن صالح ببن يوسف سيتم تبنيها آجلاً مع منح بن صالح خلال الستينيات صلاحيات كبرى في الملفين الاقتصادي والاجتماعي. غير أنها تعطلت في أوساط الخمسينيات خاصةً حسب بن صالح لارتياب بورقيبة من «ابتلاع» الحزب من قبل النقابة. لا يبدو ذلك مجانبا للصواب تماما، إذ أصبح الحزب ضعيفا في سياق الصراع البورقيبي اليوسفي إلى الحد الذي يمكن له فيه أن يذوب في مؤسسات أكثر قوة، وكان «اتحاد الشغل» أبرزها. غير أن ما حصل لاحقا، أن الحزب هو الذي «ابتلع» النقابة، وهو ما لم يكن لشهية بورقيبة المفتوحة دائما للابتلاع أن ترفضه بأية حال، ورغم أن بن صالح لم يكن متفردا في المسؤولية عن ذلك كما يمكن أن توحي به بعض القراءات اللاتاريخية.


لا يوجد أي تعليق


هذا المقال الأول من سلسلة من المقالات تفاعلا مع لقاءات جمعتني و ستجمعني مع السيد أحمد بن صالح هذا الصيف

صدر في جريدة "العرب" القطرية 26 جويلية
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=90515&issueNo=580&secId=15

أحـمـد بـن صـالـح (1)

طارق الكحلاوي

2009-07-26
درجت في السنوات الأخيرة، عند قضاء العطلة في تونس، على أن أحاول الالتقاء بمن أعتبره "عميد السياسيين" و "عميد رموز الحركة الوطنية" التونسية، السيد أحمد بن صالح. شاءت الظروف منذ سنوات قليلة أن تشرفت، من موقعي المواطن و المؤرخ، بمجالسة هذه الشخصية غير العادية و الاستماع طيلة ساعات طوال إلى دفق ذاكرته الثاقبة و التي نادرا ما تنسى تفصيلا زمنيا رغم مرور عقود طويلة بتعرجاتها و تعقيداتها. الرجل الذي تجاوز سن الثمانين لايزال متقد الذهن بشكل مثير للاعجاب. في ظل التجاهل الذي عرفه طيلة عقود طويلة من قبل وسائل الاعلام الرسمية في بلده و إزاء الحملات الدعائية التي تركزت عليه بدون توقف حتى هذه اللحظة بدا لي أن ذاكرته المتقدة هي حصنه الأول و الأخير. هي أقوى و أفضل ما تبقى له، و هي تركته التي يهتم بتنظيمها و عرضها بنفسه. لم يبق الرجل منسيا تماما في بلده إذ اهتم به "مركز التميمي" المهتم بتجميع "الذاكرة الوطنية" و أجرى حوارات في بعض المجلات و الصحف غير الحكومية. غير أنك تشعر أنك بصدد "ثروة وطنية"، من حيث كم و نوع المعطيات التي يحملها، لكنها ثروة مهدورة خاصة إذا لم يقم مثلا أي تلفزيون عربي و بالخصوص "التلفزيون الوطني" التونسي بتسجيل هذه الذاكرة الاستثنائية. و لهذا السبب تحديدا ربما شعرت هذه المرة بالذنب عند مجالسته لعدم تحبيري في السابق لما يقوله الرجل.

هيبة بن صالح هي أول الانطباع الذي يمكن أن يحدثه على جليسه. لكنها هيبة المتواضع و ليس المتكبر. قصير القامة و يتحدث بدون تكلف و بكل حماس و لكن شعره الابيض الكثيف و سلاسة حديثه و السيجار الكوبي الذي يأخذ منه أحيانا قليلة بعض الأنفاس و طريقة جلوسه على الأريكة لساعات طوال بدون أي تغيير تفرض عليك إنجذابا مشهديا للرجل. و من الصعب تقديم تعريف كلاسيكي لبن صالح. طبعا يمكن عرض كل المعلومات المعروفة بشكل كرونولوجي حتى نفهم الموقع الهام الذي يقف فيه في تاريخ البلاد لكنه يبقى أكثر تعقيدا من أن نحكي سيرته من خلال جرد للأحداث.

يبدو لي أن تعريفه يتداخل مع تعريف الخطوط العامة للاتجاهات الحركية في تونس قبيل و ما بعد "الاستقلال". رغم حداثة سنه فرض بن صالح احتراما مبكرا في صفوف الحركة التحررية مما جعله يلعب أدوارا محورية مثل كونه حلقة الوصل بينها و بين ملك البلاد "المنصف باي" المنفي في باريس و قد تجاوز بالكاد العقد الثاني من عمره في النصف الثاني من أربعينات القرن. كان يتميز عن الكثيرين بأنه يضع ساقيه في المراكز القيادية للهيكلين الأكثر أهمية في تلك المرحلة أي "الحزب الحر الدستوري الجديد" و "الاتحاد العام التونسي للشغل"، أي الذراعين الأكثر طولا و نفوذا، الذراعين السياسية و الاجتماعية للحركة الوطنية التونسية. على عكس رموز أخرى بما في ذلك الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف التي تميزت بصفاتها السياسية و فرحات حشاد و أحمد التليلي و الحبيب عاشور التي تميزت بصفاتها النقابية، يبرز بن صالح بتلازم الصفتين. و رغم ذلك من غير الصعب أن يلحظ المرء كم يحز في نفسه نسيانه ليس فقط من السجل السياسي للحزب بل ربما الأهم من السجل الاحتفالي للحركة النقابية، إذ أن صورته هي الوحيدة التي لا تعلق في مقرات "اتحاد الشغل" إلي جانب بقية صور زعمائه التاريخيين.

كان ذلك محور بداية حديثه هذه المرة. إذ تزامن لقاؤنا مع نشر الصحيفة الرئيسية الممثلة للمنظمة النقابية التونسية لمقالات لعميد المحامين السابق و أحد المقربين من القيادي النقابي التاريخي الحبيب عاشور تركزت حول ما عرف بـ"أزمة سنة 1965" و التي انتهت بإقصاء عاشور من قيادة "اتحاد الشغل". بدا بن صالح مستعجبا من المعطيات التي أوردها كاتب المقال و التي تركزت حول عداء بن صالح لعاشور و عمله على الاطاحة به و الاهم بـ"استقلالية" الحركة النقابية إثر "مؤتمر بنزرت" للحزب الحاكم و الذي انتهى بتغيير أسم الحزب إلى "الحزب الاشتراكي الدستوري" و صعود بن صالح إلى "الديوان السياسي". رجع بي بن صالح إلى العلاقة الخاصة و المميزة التي جمعته بعاشور. ذكر مثلا لقاءه الحميمي به في المنفى الأوروبي قبيل الاستقلال عندما أشار عاشور إلى وصية مؤسس "اتحاد الشغل" و شهيد الحركة النقابية فرحات حشاد الذي قال لعاشور : "حافظوا على بن صالح". تذكر بن صالح أيضا لقاءه مع عاشور قبيل إنتهاء "هجرته الثانية" من البلاد (قبل 1988) عندما كان الرجلان يتقاسمان الاقصاء من قبل الرئيس الراحل بورقيبة في أوروبا و حين أكد عاشور لبن صالح عدم وجود خلافات بينهما. تذكر بن صالح أيضا مرحلة الستينات و ما سبق "أزمة سنة 1965" عندما كان يزوره عاشور في مقرات الوزارات الكثيرة التي كان يشغلها مرتين في الشهر للقاء و طلب المساعدة في مشاغل تخص المنظمة النقابية.

لكن الملف الأهم بدا تحديدا موضوع "استقلالية" الاتحاد عن سلطة ما بعد الاستقلال. يرفض بن صالح اتهامه بأنه كان يقود العمل على "تصفية" المنظمة النقابية كمنظمة مستقلة و دمجها بالسلطة. أشار بالتحديد إلى السياق العام و الذي كان فيه "إجماع" سياسي و نقابي على إعادة تعريف العلاقة بين المنظمتين السياسية و النقابية للحركة التحريرية. ذكر بشكل خاص بنقطتين: أولهما انتماء غالبية كبيرة من مؤسسي و اعضاء "اتحاد الشغل" إلى "حزب الدستور" و عضوية عاشور و التليلي في قيادة الحزب، و ثانيهما إقرار أعضاء قيادة الحزب بأن غياب برنامج اقتصادي و اجتماعي للحزب مقابل حيازة "اتحاد الشغل" على برنامج مماثل يجعل تمتين العلاقة بين المنظمتين مسألة محورية. كانت تداول هذه الأفكار سابقا عن الاستقلال ذاته. اشار بن صالح مثلا إلى موافقة و حماس رموز سياسية، اصبحت معادية له لاحقا، مثل عبد الله فرحات على هذا التوجه. أشار أيضا إلى موافقة كل قيادة الاتحاد بما في ذلك رموز بحجم عاشور و التليلي على هذه العلاقة و خاصة على جعل رؤى "اتحاد الشغل" المنبثقة على دراسات شارك في إعدادها بن صالح هي رؤى و برامج "الحزب". أشار بن صالح كذلك إلى التوافق الكبير بينه و بين صالح بن يوسف حول هذا الموضوع منذ ما قبل الاستقلال بما في ذلك في أحد اللقاءات في ستوكهولم حيث تم التركيز على العلاقة الوطيدة و المتداخلة في نماذج أحزاب اشتراكية ديمقراطية صاعدة آنذاك في أوروبا بين الحزب و النقابة.

بشكل عام ما يبدو أنه نقطة تتسحق الانتباه أن "استقلالية" المنظمة النقابية كانت ضعيفة خاصة بعد "مؤتمر صفاقس" الذي أنقذ التيار البورقيبي من خسارة قواعده الحزبية إزاء الصراع مع التيار اليوسفي. لكن مثلما يقول بن صالح كان القبول بالبرامج الاقتصادية و الاجتماعية و لـ"اتحاد الشغل" في اطار "تكاتيك" (تكتيكات) لحسم الصراع البورقيبي اليوسفي قبل أن يبدي بورقيبة رفضه في وقت لاحق لهذه الرؤية. الاندماج في الحزب، و الذي كان يرمز إليه إنتماء عاشور نفسه لـ"الديوان السياسي" للحزب بما في ذلك إثر "مؤتمر بنزرت" يحيل على صراع أكثر تعقيد و لا يتعلق بصراع بين "مستقلين" و "موالين" للحزب.


عدد التعاليق: 1



مقال صدر في "العرب" القطرية الاحد 19 جويلية 2009
الرابط
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=89616&issueNo=573&secId=15

الحزب ومغزى صراع الذكريات

طارق الكحلاوي

2009-07-19
تكثفت في الأشهر الأخيرة حوارات ومقالات وتقارير في الإعلام التونسي تتصل بالحدث التاريخي، غير أنها بقدر ما تعكس اهتماما بالماضي فهي تعكس أيضا هموم الحاضر. هناك التقارير التي غطت جلسة نظمتها «مؤسسة التميمي» ذات الاهتمام التاريخي قدمت فيها شهادة (على حلقتين في انتظار حلقة ثالثة) لأحمد التليسي والذي كان يشغل موقع «الحارس الشخصي» للرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، ولكن الأهم أنه كان محققا ومشرفا على ملاحقات أمنية طالت أواخر الخمسينيات الشق «اليوسفي» (نسبة إلى صالح بن يوسف خاصة تياره ذي الميول العروبية-الإسلامية) داخل الحزب الرئيسي لحركة التحرير الوطني، الحزب الحر الدستوري الجديد. شهادة التليسي استفزت -ولا تزال- ردود فعل وتعقيبات متنوعة زادت في إثارتها. في ذات الوقت يواصل أحمد بن صالح -الذي كان أكثر الوزراء التونسيين حيازة لحقائب وزارية في الستينيات والرجل الثاني في الدولة قبل ملاحقته من قبل بورقيبة- نشر مذكراته من خلال حوارات صحافية. وبرغم أنها ليست الأولى من نوعها، إذ سبق له نشر بعضها عبر «مؤسسة التميمي» سابقا، فإن نشرها في صحيفة واسعة الانتشار مع صورته أحيانا في صدر الصفحة الأولى جعل هذا الرمز السياسي في التاريخ المعاصر للبلاد حاضرا من جديد في المشهد العام، رغم تواصل تجاهله من قبل مؤسسة الإعلام الرسمية لعقود.

في الحالتين لدينا حلقة جديدة من حلقات تحدي التاريخ الرسمي «البورقيبي» للحركة الوطنية، وبالتحديد تاريخ الحزب الحر الدستوري الجديد، عبر وسائل اتصال شعبوية، ومن ثم هي الأكثر قدرة على جعل نقاش الحدث التاريخي تعبيرا بهذه الدرجة أو تلك عن هموم الحاضر. وفي الحالتين يبدو الحزب الحر الدستوري الجديد -الذي أمسك ولا يزال بالسلطة تحت مسمياته المتنوعة- محور إعادة تفهم وتصور وتفكيك بما يمكن أن يعكس تباينات حول حاضره ومستقبله.
إن التليسي -الذي يستحق بعد شهادته لقب «جلاد اليوسفيين»- أثار الكثير من الجراح، ليس فقط لأنه اعترف بوضوح بتعذيب خصوم الرئيس بورقيبة من «اليوسفيين»، بل أيضا لأنه أنكر تهم قتلهم. أثارت تصريحاته ردود فعل متنوعة خاصة في منابر صحافية مستقلة كانت في السابق محسوبة على التيار «اليوسفي». كانت هناك مثلا ردود ضحايا وزملاء سابقين للتليسي من الذين أكدوا حدوث ما يفوق التعذيب في الموقع السيئ الذكر في المدينة القديمة لتونس المعروف باسم «سباط الظلام» (القبو المظلم) والذي بقي رمزا لدهاليز التعذيب في مؤسسة الدولة الوطنية الجديدة. لكن الأهم من بين تلك الردود الحقوقية القانونية التي ركزت بناء على «اعترافات التليسي» (المسجلة صوتا وصورة وبحضور شهود) على حق الضحايا في محاسبة جلاديهم ومحاكمتهم، حتى لو مر على الحدث عشريات عديدة، إذ جريمة التعذيب مثلما تم التذكير «لا تسقط بالتقادم». وبدا كأن الأمر خارج السيطرة عندما عبر التليسي -تفاعلا مع ردود الأفعال- بأنه «مستعد للمحاكمة» قبل أن يحاول التراجع -حسب ما شاع في الأيام الأخيرة- عن تصريحاته السابقة. هذه نقطة فارقة؛ لأنها فتحت أكثر الملفات المسكوت عنها في تاريخ الدولة الوطنية، ملف تعذيبها لخصومها. وإذا فتح ملف التليسي فإنه لن يبقى مبرر لعدم فتح ملفات بقية «الجلادين»، ولن يكون من الغريب -إذا تواصل التداول فيما يمكن تسميته الآن بـ «قضية التليسي»- أن تتشكل لجان وهيئات تطالب بمحاكمتهم بمعزل عن الزمان والمكان.

التيار «اليوسفي» تحديدا والذي مثل لعقود خلفية البديل الذي يحمل الخطاب «العروبي-الإسلامي» في مواجهة سلطة الرئيس الراحل بورقيبة، داخل الحزب ثم خارجه، كان عرضة لحملة ملاحقة وتنكيل مثلت جزءا رئيسيا من أساس بناء الدولة الوطنية ذاته. فعبر هذا الإقصاء وعبر آلياته العنيفة تم إرساء المؤسسة الردعية للدولة، ومن ثم هوية الدولة الجديدة وبنيتها، إذ أصبح كل خصوم الحزب، أو على الأصح التيار السائد في الحزب، خصوم الدولة ذاتها، ومن ثم فهم عرضة للتهميش المادي والمعنوي بشكل عام وليس التهميش عن مواقع السلطة فحسب. وكانت أوساط «اليوسفيين» هي الأوساط التي خرجت من عباءتها التيارات القومية والإسلامية في التاريخ المعاصر للبلاد ممن تعرضوا بهذه الدرجة أو تلك لنفس المصير. لكن إثر رحيل الرئيس بورقيبة عن السلطة استفاد «اليوسفيون» -وليس بالضرورة ورثتهم- من خطوات أعادت نسبيا بعض اعتبارهم بما في ذلك إعادة رفات صالح بن يوسف الذي اغتالته اليد الطولى لأجهزة بورقيبة الردعية، إلى أرض الوطن. ولكن امتدت عملية إعادة الاعتبار إلى عودة بعض «اليوسفيين» وحتى تواجدهم في مواقع رسمية بين البرلمان والمجلس الاستشاري. لكن عودة الاعتبار الأهم هي العودة القوية ثقافيا وسياسيا للخطاب «العروبي-الإسلامي» للبلاد في السنوات الأخيرة مخترقا أوساطا شعبية وشبه رسمية ورسمية أيضا. ومن المثير للاهتمام أن هذه العودة تتم فيما تتم تحت يافطة حقوقية مثل مقاومة التعذيب بما يعنيه من تهديد لثقافة الدولة كما عرفها التونسيون لعقود.

في المقابل لا يعتبر أحمد بن صالح أحد رموز التيار «اليوسفي» تحديدا، إذ رغم محاولته تحقيق المصالحة بين الزعيمين التاريخيين للحزب، فإنه أسهم في نهاية الأمر بشكل كبير في حسم الصراع داخل الحزب لمصلحة بورقيبة في «مؤتمر صفاقس»، من خلال القوة الاعتبارية والجماهيرية لمؤسسة «الاتحاد العام التونسي للشغل» الذي كان يقوده. لكن رغم ذلك فإن بن صالح كان رمزا للعلاقة الوطيدة بين سياسات «اجتماعية» طبعت ولا تزال الدولة الوطنية (فشل بعضها وليس كلها مثلما قامت الآلة الدعائية للدولة بترويجه على قاعدة تهميش خصومها إثر الخلاف بين بورقيبة وبن صالح) ورؤية «عالم ثالثية» (Tier-mondiste) تركز على محور «عدم الانحياز»، ومن ثم تلتقي بشكل كبير مع الرؤى العروبية الناصرية خلال الستينيات، مما يفسر صداقاته الواسعة والوثيقة مع نخب قومية من سوريا إلى العراق حتى مصر. إن بن صالح، أستاذ اللغة والآداب العربية والمغرم كثيرا بالشعر العربي وفي ذات الوقت صاحب الثقافة الفرانكفونية الواسعة، يمثل على غرار صالح بن يوسف تعبيرا عن النخبة التحريرية التي «جمعت بين الأصالة والمعاصرة». إن بن صالح الذي يتجنب انتقاد بورقيبة بشكل مباشر ويحترم تراث الرئيس الراحل النضالي والمؤسس في الحركة الوطنية، يركز في مذكراته على دور رموز أخرى في تحقيق استقلال البلاد. يبدو بن صالح بشكل خاص قريبا عاطفيا من «المنصف باي» والذي مات منفيا وكان يتمتع بموقف وطني استثنائي تقريبا بين أوساط النخبة الملكية من الأسرة الحسينية التي حكمت البلاد لقرون. ينسب بن صالح -الذي كان مقربا من الملك الراحل وحلقة الوصل بينه وبين الحزب- مواقف تصل حتى التعبير عن نية «إعلان الجمهورية» في حال عودته إلى البلاد، مما كان يمكن أن يجعل المنصف باي وليس بورقيبة أول رئيس للبلاد.
إن عودة الروح إلى صور وذكريات غير بورقيبية أو بشكل أخص معارضة لبورقيبة وفي الوقت نفسه مؤسسة ومشكلة لتاريخ حزب التحرير والسلطة، تحيل على تعقيد العلاقة بين التيارات المختلفة التي شقت البلاد، إذ تزاملت الشخوص والرؤى في ذات الحزب وفي ذات السلطة لعقود قبل الاختلاف والافتراق. إذ لا يمكن تشكيل الصورة ضمن حدود «الأبيض والأسود». كما أن تذكرها يشير إلى حاجة للتذكر، واستحضارها يعبر عن حاجة الحاضر إليها. حاجة النظر إلى تاريخ رسمي واتجاه سائد مجانب بعض الشيء للبورقيبية. الحاجة للنظر إلى «العروبي-الإسلامي» مثلا في سياق «العادي» والقديم وليس «الاستثنائي» والجديد. فهل سيكون لذلك تأثير على تصور الحزب لذاته وهويته ودوره؟

في كل الأحوال لا تحدث التغييرات عادة في تونس بشكل درامي، بل متسربلة في كثير من الهدوء والصمت والقليل، فقط القليل من التراجيديا. كما أن التغييرات إذا لمست الشكل وبعض الخطاب فلا يعني بالضرورة أنها ستمس المضمون. إذ يمكن للحزب -كما حدث في السابق- أن يغير جلده ومن ثم جلد الدولة، لكن لا يعني ذلك حتما تغيير جوفه ومن ثم المساهمة في تغيير جوف الدولة. وبهذا المعنى يمكن أن يرجع «اليوسفيون» مثلا أو ورثتهم، لكن من غير الضروري أن ترجع سياساتهم أو ثقافة محاسبة «الجلادين»، لكن العكس ممكن أيضا.


عدد التعاليق: 1



مقال صدر في "العرب" القطرية الاحد 12 جويلية
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=88625&issueNo=566&secId=15

حول إصلاح مؤسسات التعليم العالي واختصاص «الإنسانيات»

طارق الكحلاوي

2009-07-12
إزاء أزمة حقيقية في منظومات التعليم العالي العربية، تكثفت في السنوات الأخيرة مبادرات حكومية متنوعة في اتجاه الإصلاح، وعلى سبيل المثال تم في تونس الإعلان منذ سنة 2005 عن مشروع «إصلاح تعليم» تحت تسمية منظومة «أمد» (اختصاراً لـ «أستاذية - ماجستير- دكتوراه»)، والذي بدأت ملامحه التطبيقية تتضح للعيان خاصة مع بداية السنة الدراسية القادمة، ولو أن ذلك يعترض رفضا وتململا من قبل الممثلين النقابيين للإطار التعليمي.

غير أنه كان من الواضح أن ذلك لم يكن نتيجة مبادرة مفاجئة منعزلة عن السياق الدولي، ولا يخفي المدافعون عن هذا المشروع، على الأقل على مستوى التحاليل الإخبارية المنشورة على مواقع رسمية أو مقربة من الدوائر الرسمية، تركيزهم على النقاشات والمشروعات الأوروبية خلال العشرين سنة الماضية في إطار توحيد منظومة التعليم العالي الأوروبية خاصة تحديد العوامل التي جعلت المنظومات التعليمية الأنجلوسكسونية (الأميركية على وجه الخصوص) أكثر فاعلية من غيرها على مستوى مساهمتها في العملية الإنتاجية المباشرة، وهو ما يجعل فهم التجربة الأوروبية ضروريا للغاية لمحاولة فهم ما يحصل في بعض التجارب الإصلاحية العربية، وقد تبلورت الرؤية الأوروبية عبر «اتفاقات بولونيا» أو «مسار بولونيا» (Bologna Process) سنة 1999، وتطبيقات محلية يهمنا منها بشكل خاص المثال الفرنسي (LMD) والذي يختصر (License-Master-Doctorat)، وهو الذي كان على ما يبدو النموذج المباشر لمنظومة «أمد»، إلى الحد الذي جعل البعض يتحدث عن «استنساخ» أو مجرد تعريب «منظومة أمد» للمشروع الفرنسي، وتستغرق هذه المنظومة الأوروبية بما في ذلك الفرنسية نظرياً ثماني سنوات، إذ يقع منح «الأستاذية» بعد ثلاث سنوات دراسية (السنة الدراسية 60 نقطة أو ما يعادل ما بين 1500 و1800 ساعة دراسة)، والماجستير سنتان والدكتوراه ثلاث سنوات، وبذلك تم تخفيض السنوات التي كانت مخصصة لـ «الأستاذية» في فرنسا بمعدل سنة دراسية ووقع إدماج «الأستاذية» القديمة مع «شهادة الدراسات المعمقة» تحت تسمية «الماجستير» وحصر «الدكتوراه» في ثلاث سنوات.

وكانت الخلاصة الرئيسية العملية -التي انتهت إليها الرؤية الأوروبية في قمة وزراء التعليم الأوروبيين سنة 1999- أن اعتماد المنظومة التعليمية الأميركية يجعل التعليم العالي الأوروبي قادرا على الاحتكاك ومن ثم الاستفادة منها وأيضا الانفتاح على سوق أوسع عالميا من الكفاءات العلمية، وبمعنى آخر فقد كان الإصلاح التعليمي الأوروبي بالأساس اعترافا وترسيخا لواقع المركزية الكونية كماً ونوعاً للمنظومة التعليمية الأميركية، لكن ما يهمنا هنا بالتحديد أن الفهم الأوروبي للنموذج الأميركي اتجه بشكل خاص نحو منافسة المنظومة الأميركية خاصة عبر التركيز على الفصل بين «التخصص المهني» و»التخصص الأكاديمي»، ويهدف الأول للتكوين الموجه بشكل مباشر وحصري نحو «الاقتصاد المباشر»، بينما يهدف الثاني للتكوين في اتجاه «البحث» و»التدريس الجامعي».
ثم وفي نفس الإطار يتم التركيز من حيث كمّ الطلبة والإطار التعليمي والموارد على «التخصص المهني»، لكن النيات الأوروبية للاقتداء بالتجربة الأميركية لا تعني أننا بصدد نفس النموذج التعليمي، ويجب هنا ملاحظة هنا أن المنظومة الأوروبية الجديدة التي تختزل سنوات الدراسة، وبرغم اقترابها من المنظومة الأميركية فإنها تستغرق أقل منها على مستوى السنوات، فمثلاً شهادة «الأستاذية» القديمة في الحالة الفرنسية تعادلها في المنظومة الأميركية «شهادة الباشلر» (Bachelor’s Degree) وهي تستغرق ثماني سداسيات أو أربع سنوات، في حين أن «الماجستير» الأميركي يستغرق سنة ونصف السنة بعد أربع السنوات الأولى، وفي المقابل يمكن لشهادة «الدكتوراه» الأميركية أن تستغرق حتى ثماني سنوات.

الأهم من ذلك أن المنظومة التعليمية الأميركية لا تتميز بفصل قسري بين «المهني» و»الأكاديمي»، إذ يمكن لأي طالب أن يغير خياراته ويعيد ترتيب أولوياته حسب تقدمه الدراسي، وهكذا مثلا يحق للطالب الأميركي أن يكون له تخصصان: أحدهما رئيسي والآخر ثانوي، كما يتم حثه على تنويع الدروس التي يتلقاها بما في ذلك خارج التخصصين الأول والثاني، وهكذا يقع الدفع مثلا بطلبة اختصاصات الطب والتجارة لأخذ دروس في «الإنسانيات»، وبذلك يقوم الطالب بتجريب مواهبه وتبقى خياراته مفتوحة على ذلك الأساس، وهو ما يجعله قادرا على التوجه نحو «البحث» إذا رأى في نفسه القدرة والرغبة في ذلك، ومن الواضح أن الفصل القسري بين هذه المسارات في النموذج الأوروبي هو الذي يمثل أحد أكبر مصادر الانتقاد فيه خاصة في الحالة الألمانية، وبالإضافة إلى كل ذلك فإن المنظومة التعليمية الأميركية لا يتم تقريرها بشكل مركزي إذ لا تخضع لميزانيات حكومية فحسب (فيدرالية أو ميزانيات الولايات) بل يوجد ثقل كبير لمصادر التمويل غير الحكومية، وهو إطار لا يمكن استنساخه في الحالة الأوروبية وفقا للظرف الراهن، إذاً كخلاصة أولى يجب التوقف عن الحديث عن «نموذج عولمي» أحادي مكرر بما في ذلك إثر الإصلاح التعليمي الأوروبي سنة 1999، وفي نفس الاتجاه لا يمكن أن نرى في منظومة «أمد» التونسية مثلا استنساخا كاملا للمنظومة الفرنسية، خاصة أنها احتوت مبادرات لم تحصل في هذه المنظومة، ويتعلق ذلك خاصة بدمج تخصصات يبدو أنه يتم النظر إليها من قبل وزارة الإشراف على أنها «أكاديمية» الطابع، مثلا دمج شهادتي التاريخ والجغرافيا بالنسبة لـ «الإنسانيات» والكيمياء والفيزياء بالنسبة لـ «العلوم»، وهو توجه يشدد أكثر في اختزال المسار «البحثي»، عدا عن أن قرارا بهذا الحجم والذي يمس الجانب المنهجي والتدريسي لا يمكن أن يتخذه التكنوقراط أو الإدارة بدون إشراك كامل للأكاديميين المشرفين على الجانب التعليمي، وهو ما لا يبدو حاصلا خاصة إذا نظرنا إلى ردود الفعل الرافضة مثلا لأساتذة التاريخ والجغرافيا.

ولكن بشكل عام، إذ كان اختزال السياق «البحثي» في مختلف هذه المنظومات «الإصلاحية» يهم كافة أقسام التعليم العالي فإنه يمس بدرجة أكبر قسم «الإنسانيات». اختصاص «الإنسانيات» (humanities)، أو حسب التعبير الفرنسي ذي الخلفية الوضعية والأكثر ثقة «العلوم الإنسانية» (sciences humaines)، والذي يضم مناهج وتخصصات مثل الفلسفة واللغات والآداب والتاريخ والجغرافيا وعلوم الآثار والأنثروبولوجيا يشهد مساءلة عبر العالم وليس الآن من حيث «مردوده الإنتاجي»، ويجب القول هنا إن هذه المساءلة ليست جديدة وتأتي في سياق دولي يمكن الإشارة إلى نقطة بدئه في بداية الثمانينيات في الولايات المتحدة خلال الأزمة الاقتصادية آنذاك. إذ تشير أرقام مؤسسة بحثية متخصصة في «الإنسانيات» في الجامعات الأميركية (Humanities Resource Center) أنه منذ ذلك الوقت انخفضت نسبة الطلبة والأساتذة المنضوين تحت «الإنسانيات» لتستقر في حدود نسبة %8 من مجموع الإطار التعليمي مقارنة بالنسب المرتفعة السابقة التي بلغت أوجها في الستينيات، وهناك جدال متصاعد في الولايات المتحدة حول «الإنسانيات» يزيد حدة خاصة عندما يتضح أن ظرف الأزمات الاقتصادية يمس بشكل أكبر هذا المجال، إذ على سبيل المثال أعلن ما يزيد عن عشر مؤسسات تعليمية وسط العام خاصة بعد اشتداد الأزمة الاقتصادية عن تراجعها عن انتداب أساتذة في اختصاصات مثل الفلسفة وعلوم الأديان، ووصل الأمر بجامعات كبيرة مثل «جامعة يال» أن أعلنت «تجميد» أية خطط لانتدابات جديدة خاصة في «الإنسانيات»، في حين أعلنت جمعية تهتم بتدريس اللغات أن الانتداب في هذا الاختصاص نزل هذه السنة إلى أدنى درجة له منذ ما يزيد عن الثلاثين عاماً، وفي هذا الإطار بالتحديد يعلن البعض «موت الإنسانيات» و»الأستاذ الأخير»، وهو عنوان أحد أكثر الكتب مبيعاً هذا العام لستانلي فيش (Stanley Fish) أستاذ الإنسانيات والكاتب في صحيفة «نيويورك تايمز»، وزادت الميزانية المقررة من قبل إدارة أوباما والتي تركز على تمويل «البحث العلمي» دون «الإنسانيات» في تأزيم هذا الجدال.

لكن طبعا كل ذلك لا يعني أننا بصدد اضمحلال هذا الاختصاص في الولايات المتحدة حيث تلعب المؤسسات البحثية في الجامعات الأميركية دورا كبيرا في صناعة الرأي العام وفي تمويل الإدارات الأميركية المتعاقبة بالخبرات الجامعية، وهنا فمن الواضح أن نقاش «موت الإنسانيات» يختلف من حيث الخلفية والواقع والإمكانات مع أوضاع أخرى يعيش فيها هذا المجال أصلا تهميشا من قبل الذهنية السائدة فما بالك في وضع أزمة اقتصادية.


لا يوجد أي تعليق


تفاعلا مع بعض النقاشات التي شهدناها في الفايسبوك و غيره حول حدث الاحتجاجات الايرانية


مقال صدر في "العرب" القطرية 5 جويلية 2009
الرابط
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=87910&issueNo=559&secId=15

الحدث الإيراني.. بوصفه شأناً تونسياً

طارق الكحلاوي

2009-07-05
أتاحت الفضاءات الافتراضية العامة، خاصة الشبكة الاجتماعية "فيس بوك"، في الأسابيع الأخيرة فرصة لتونسيين متعطشين لنقاش الشأن العام للخوض في طبيعة الأزمة الإيرانية ومعانيها بحماسة لافتة توحي بأنهم بصدد مناقشة شأن تونسي. الانخراط (الافتراضي) التونسي تراوح بين التفكير والانخراط العاطفي ضد ومع الاحتجاجات. بدا أن الحدث الإيراني بالأهمية التي جذبت اهتمام حتى من لا يهتم عادة بالشأن الإقليمي ولا يراه ذا علاقة بالشأن المحلي. بالإضافة لتأثير العولمة الإخبارية الإلكترونية كان من الواضح أن الزوايا التونسية المتلقية لمشهد الأزمة الإيرانية طغت عليها الانشغالات المحلية؛ إذ وجدت في هذا المشهد كل المكونات الكافية للشأن المحلي من الصراع حول الإدماج السياسي والحريات وعلاقة الدين بالسياسة وبالدولة وعلاقة الشأن الوطني/ المحلي بالشأن القومي/ الإسلامي ومن ثَمَّ موضوع الصراع العربي- الإسرائيلي وأيضا موضوع الهوية المذهبية والعلاقة السنية الشيعية.

لم يكن لإيران الكثير من الحضور في الذهنية العامة التونسية حتى بداية الثمانينيات. حينها فقط أمكن للتونسيين التعرف على الصورة الجديدة لإيران كأنها صورتها الأبدية، صورة "الثورة الإسلامية" وصورة الإمام الخميني. كان الوسيط الرئيس لعملية التعارف هذه صعود الحركة الإسلامية التونسية والتي عمدت السلطة التونسية آنذاك للترويج لأعضائها عبر التعبير الشعبوي الاختزالي "الخمينيين". ولكن لم يكن ذلك مجرد إسقاط دعائي؛ إذ تشير معظم المصادر المتاحة إلى أن "الثورة الإسلامية" أصبحت بسرعة بالنسبة لحركة "الاتجاه الإسلامي" التونسية نموذجها "الثوري" المفقود في ظرفية سياسية كان فيها لكل طرف سياسي تونسي معارض ذو ثقل، وبالتالي كل طرف سياسي يعمل خارج الأطر القانونية "ثورته النموذجية" التي تميز طريقة "الثوري" الراديكالي. ربما لم تكن كل الحركة بنفس درجة التعلق بروح الثورة الإيرانية وبأسلوبها ومن ثَمَّ بتصورها الخاص بتونس لكن كان من الواضح أن الخطاب التعبوي الإسلامي استلهم بعمق مشهد الثورة الإيرانية، خاصة في سياق سجالاته مع بقية الخطابات التعبوية الثورية المتنافسة على كسب تعاطف جمهورٍ تونسيٍ كانت ذائقته السياسية آنذاك تميل للقطع مع السلطة بشكل راديكالي. وفي المقابل درج الخط الرئيس للخطاب الثوري المضاد خاصة منه اليساري الماركسي التونسي لاعتبارات أيديولوجية عامة وسياسية محلية للتركيز على النموذج الإيراني بوصفه "رجعيا" و "ظلاميا" و "دليلا" على أن أية حركة إسلامية هي "حركة بالضرورة استبدادية".

لكن عبر السنين كانت هناك أيضا وسائط أخرى أسهمت في تشكيل صورة إيران، أو صورها، في الذهنية العامة التونسية. كانت الحرب العراقية- الإيرانية إحدى تلك الوسائط، ليس لأنها موضوع يومي في نشرات الأخبار بل أيضا والأهم لوجود عمالة تونسية كبيرة نسبيا في العراق ولأن النظام العراقي حرص على التواجد في تونس بما في ذلك من خلال طبع كتب مجانية في مادة التاريخ لطلبة الثانويات. ثم كان الانخراط الإيراني في الشأن العراقي والذي انتهى إلى تشكّل صورة "مذهبية" لإيران بدلا عن صورتها القديمة "الثورية". السياق العراقي لنظر التونسيين لإيران كان في الغالب سلبيا وأخذ بعدا مذهبيا متصاعدا، خاصة في السنوات الأخيرة من خلال امتداد خطاب "سلفي" إلى شبيبة تونسية حديثة التدين في مقابل أقلية جديدة من الشباب التونسيين "المتشيعين"، وكان هذا الاستقطاب واقعيا على ما يبدو عبر سجالات دارت عبر مساجد وأحياء شعبية، وضمنه يمكن أن نستمع إلى اختزال إيران في التوصيف السالب "الرافضة". ومن المناسب الإشارة هنا إلى أن هناك تركيزا في الاستقطاب المذهبي الشيعي فعلا وترويجا على الوضع التونسي بوصف تونس مهد أول "خلافة شيعية" (الدولة الفاطمية) وفي هذا الإطار نجد أكثر "المتبصرين" (أي السنة الذين تشيعوا) رواجا في المنابر الشيعية من أصل تونسي. لكن في المقابل كان هناك وسيط آخر يفعل في اتجاه مضاد للوسيط السابق وهو القرابة السياسية والاستراتيجية بين "قوى الممانعة العربية"، وبالخصوص حركتا حزب الله وحماس، مع النظام الإيراني. التعاطف الشعبي التونسي مع هذه القوى وبالخصوص في ظروف المعارك الموضعية مع إسرائيل كان يعني تعاطفا مع النظام الإيراني، خاصة أن هذه القرابة السياسية والاستراتيجية تتعالى واقعيا على الاستقطاب المذهبي بما هي مؤسسة على رؤية محددة للصراع العربي- الإسرائيلي بمعزل عن سنية أو تشيع أي طرف.

إذاً إيران أو نموذجها السياسي والفكري كان لما يقارب الـ3 عقود بشكل من الأشكال شأناً تونسياً. وبهذا المعنى كانت ردود الفعل مفارقة ومتناقضة المصادر والرغبات إلى حد أنه من الصعب أن نجد انطباعا تونسيا منسجما فيما يخص الأزمة الإيرانية، حتى بالنسبة للشخص الواحد أحيانا. وكانت السجالات التونسية الأخيرة تسقط أحيانا بسهولة في التقييمات السياسوية المبسَّطة وحتى المتناقضة بما في ذلك تحمس بعض الحركيين الديمقراطيين للوضع في إيران إلى درجة تخالهم فيها جزءا من الحركة الاحتجاجية في طهران، والأشرطة الخضراء على جبهاتهم ومعاصمهم (الافتراضية)، في الوقت الذي يرفضون فيه عادة وبشكل صارم أي انشغال تونسي بـ "أحداث شرق أوسطية لا تهمنا". لكن كان من اللافت بشكل خاص خلال السجالات التونسية التي حدثت في الأسابيع الأخيرة تقييم علاقة الخارج بعملية التغيير الديمقراطي ونماذج "الثورات المخملية" المعلبة. بدا من الواضح حتى بالنسبة لبعض المؤمنين الجديين (نظريا وعمليا) بمقولات التغيير الديمقراطي بما في ذلك في أشكاله الاحتجاجية أن هناك حساسية شديدة من أية إمكانية تشير إلى تجيير قوى خارجية خاصة منها الغربية للتحركات الداخلية بما يهدد استقلالية الدولة الوطنية/ القومية في مقابل خطاب آخر يجتر الاهتمام الحقوقي الدعائي لبعض الإعلام الغربي السائد والسطحي للوضع في إيران. يأتي ذلك حتى بمعزل عن اتهامات "الاستقواء بالخارج" التي تتردد بشكل روتيني؛ إذ إن الإشكالية الإيرانية هي بالنسبة للبعض أيضا إشكالية تونسية رغم بعض الفوارق؛ إذ حتى من دون عامل الصراع بين إيران وبعض القوى الغربية فإن المسألة التي تستدعي الانتباه بشكل حاسم في أزمات مماثلة هي مدى جدوى وقيمية القبول بأجندة خارجية للتغيير الداخلي. وقد كان النموذج العراقي بالنسبة لكل من تجاهل هذه المعادلة المعقدة إذ أصبحت رموز "الانتقال الديمقراطي" في عراق محتل جزءا من أزمة التغيير ذاتها.

إذ إن النقاش الحقيقي في هذا السياق ليس حول أطروحات تبسيطية وتعميمية من نوع تمثيل أحمدي نجاد لـ "الفقراء" مقابل "تبرجز" تيار "الإصلاحيين" واختصاصهم بـ "الفساد" أو حتى الاتهامات العامة والمؤسسة على تأويلات غامضة حول "الموقف المعادي للمقاومة" لتيار "الإصلاحيين". إذ مثلما أشرت سابقا الصراع في إيران هو داخل النظام بكامله؛ حيث لا يوجد تخصص في علاقة بـ "الفساد" و "الاستثراء عبر السلطة" وليس الصراع أيضا حول أدوات ثابتة لـ "الأمن القومي الإيراني" حسب تصور النظام. النقاش الحقيقي، تونسياً، والذي لا يبدو صريحاً بما فيه الكفاية هو حول ما إذا كانت أزمة البديل المعارض ستجد أية فاعلية حتى في سند إعلامي مكثَّف من الخارج في الوقت الذي تلقت فيه حركة احتجاجية شعبية واسعة في إيران ضربة قاسية من قِبَل نظام محاصر دوليا ليس إعلاميا فحسب بل سياسي أيضا.

لفت انتباهي في هذا الإطار تصريح إحدى الناشطات التونسيات في مؤتمر في جنيف أخيراً حول ضرورة "إقناع" التونسيين المقيمين في الخارج للمنابر والمؤسسات الرسمية في الدول التي يقيمون فيها وحصلوا على جنسياتها بالتوقف عن دعم السلطة. كان ذلك عنوانا لاستراتيجيا متأزمة وليس حلاً استراتيجياً لأزمة البديل. لكن من الصعب لوم العوامل الذاتية في هذا السياق بما في ذلك الخيارات الاستراتيجية لبعض الناشطين. إذ إنه، ومثلما يحصل في إيران وفي ظرفيات أخرى عرفت الانتقال الديمقراطي، فإن تحولات بنيوية من هذا النوع تتم عادة بشكل متفاوت السرعة وبمشاركة من داخل الأنظمة القائمة بتأثير ظروف موضوعية أساسا، وهو الأمر الذي يجب أن يستدعي انتباها مركّزا من أي ناشط سياسي. لكن لم تقع قراءة تاريخ الدمقرطة والاستفادة من دروسها بالنسبة للناشطين الديمقراطيين بالقدر نفسه الذي كان فيه مثلا بعض هؤلاء، عندما كانوا ناشطين في اليسار الماركسي، يدرسون بعناية فائقة، وحتى مبالغ فيها، ظروف "الانتقال الثوري" وأنماط المجتمع؛ إذ انتقل الناشط السياسي التونسي من مرحلة الاسترخاء والتأمل الفكري النشط إلى مرحلة الممارسة الروتينية المنقطعة بشكل كبير عن أي إسهام فكري عميق.

أستاذ "تاريخ الشرق الأوسط" في جامعة روتغرز


لا يوجد أي تعليق


طارق الكحلاوي
نشأ طارق في أحد مدن الضواحي مدينة رادس الواقعة في الجمهورية التونسية. يشغل الآن موقع أستاذ في جامعة روتغرز (قسمي التاريخ و تاريخ الفن). تلقى طارق تكوينه الجامعي في جامعة تونس (كلية 9 أفريل، إجازة و دراسات معمقة في التاريخ و الآثار) و جامعة بنسلفانيا (رسالة دكتوارة في تاريخ الفن). و يعلق بانتظام على القضايا و الاوضاع العربية باللغتين العربية و الانجليزية في مواقع و صحف مثل "الجزيرة.نت" و "القدس العربي" و "الحياة" و "العرب نيوز" و "ميدل إيست أونلاين"، و يكتب عمودا أسبوعيا في جريدة "العرب" القطرية. يكتب أيضا في قضايا ثقافية و نظرية تخص الاسلام المعاصر في المجلة البيروتية "الآداب". و تمت استضافته للتعليق في قناة "الجزيرة الفضائية" و قناة 13 "بي بي أس" (نيويورك).

Tarek Kahlaoui
Tarek grew up in the suburban city of Rades in Tunisia. He is currently an Assistant Professor at Rutgers University (a joint position in the Art History and History departments). Tarek graduated from the University of Tunis (Bach. and DEA in history and archeology) and University of Pennsylvania (Ph.D. in history of art). Tarek also comments regularly in Arabic and English on Middle Eastern issues and politics in Aljazeera.net, Al-Quds Al-Arabi, Al-Hayat, Arab News, and Middle East Online, and writes a weekly column for the Qatari newspaper Al-Arab. He also writes on intellectual and theoretical issues related to contemporary Islam in the Lebanese magazine Al-Adab. He was also invited to comment in Al-Jazeera Channel, and in Channel 13 (PBS-New York).