كنت تعرضت للمنطق المغلق للمتخصصين في فتاوى التحريم من الشيوخ الخليجيين و هو المنطق الذي يذهب حتما نحو توريط صاحبه و إضاعة الحد بين الإجتهاد البشري و البلاهة. و لكن هذا الخلط يكون ممكنا حالما لا يمس الخلفية الجغراسياسية التي تسمح لهذا الشيخ بالوجود. هذا مثال جديد يوضح أن الفتوى الخليجية، كما هو حال أي فتوى عبر التاريخ، هي بنت منطقتها و واقعها الجغراسياسي و ليست مجرد "إستدلال شرعي" في سبيل الله. في هذه الحالة خرج الشيخ عن أحد أهم الخطوط الحمراء الخفية في واقعه الجغراسياسي: التوازن الضروري بين سلطة القبيلة و سلطة الفقيه. و عنما تم تذكيره بذلك بأشكال مختلفة قام ببساطة بالإعتذار.

هل يمكن للشيخ نفسه الإعتذار عن فتاوى أخرى لا تتجاوز الخطوط الحمراء لبيئته و لكنها تتجاوز الحد بين الإجتهاد و البلاهة؟ لا أعتقد ذلك.


لا يوجد أي تعليق


هناك جدل طويل يلامس الثرثرة حول الرئيس السابق. هناك فقط محاولات قليلة تتميز بالجدية. الشريط الوثائقي الأخير في العربية يستحق الإهتمام و لكن مشكلته أنه مصمم لجمهور مشرقي و بالتالي تحمل لغة مصطنعة بعض الشيئ. كما أنه كان يميل للموالاة عوض التشديد على الموضوعية. بالمناسبة بدى لي الكثير من المدونين التونسيين (خاصة الذين يكتبون بالفرنسية) يبالغون في تمجيد بورقيبة "و إنجازاته" بشكل يجعلني أتساءل على قدرة هذا الرجل في صناعة ممجدين له حتى بعد موته.

ما ذكرني في بورقيبة و الجدل حوله هو مقال صديقي شكري الصيفي (زميلي السابق في الدراسة) الصادر في القدس العربي اليوم. أتوافق مع شكري في مجمل النقاط حيث سبق لنا النقاش حول هذا الموضوع الكثير من الوقت في أمسيات قهاوي المدينة العربي من مقهى الشواشين الى "قهوة عم الهادي". طبعا لدى أشياء أخرى يمكن أن أقولها في علاقة بتقييم التجربة البورقيبية و لم يتعرض لها شكري. و لكن ربما مرة أخرى، فهذا الجدل يبدو كأنه لا ينتهي... و يبعث على الضجر أحيانا.


لا يوجد أي تعليق


من الواضح أن المدونين التونسيين متعطشين للمشاركة في النقاش العام. يعكس ذلك طبعا حدود النقاش العام في الظرف التونسي الراهن. و في الحقيقة سعدت كثيرا باقتراح بيغ تراب بوي و غيره من المدونين بالقيام بتدوينة خاصة من أجل "المغرب الكبير" يوم 1 جوان القادم. و لا يمكن لأي تونسي ألا يتعاطف مع هذه المبادرة و ألا ينضم اليها على الأقل من حيث المبدأ. و لكن لدي مجرد ملاحظات من أجل أن لا تكون هذه المبادرة مجرد عاصفة رملية فيها الكثير من الصخب و القليل من التأثير على ما حوالينا.
ففي نفس الوقت الذي لا يجب فيه المبالغة في أهمية البلوقسفير التونسي و ما يحدث فيه (مقارنة مثلا بالبلوقسفير الإيراني أو حتى المصري) علينا أيضا ألا نتسهين بتأثيره رغم ضآلته الكمية. و هذا ما يدفعني للتساؤل عن الهدف العملي من وراء هذه التدوينة. هل نحن بصدد مسيرة بلوقسفيرية من أجل "وحدة المغرب الكبير"؟ طبعا ذلك سيثير الإنتباه و لكن سيكون بمثابة إثارة لبعض الغبار الذي لن يراه الكثيرون في جميع الأحوال. و الهدف من المسيرات هو تحديدا إحداث الصخب و هي من أدوات التعبئة و لكن ذلك لا ينسجم مع مجال التدوين خاصة في ظل محدودية البلوقسفير التونسي. إذا ما الهدف من أجل هذه التدوينة المشتركة؟ أعتقد أن هناك بعض الضبابية في هذا المجال. و أرغب هنا في اقتراح بعض الأهداف العملية و طرحها للنقاش إن أمكن.

أولا، أقترح أن نستثمر هذه التدوينة المشتركة لفتح نقاش ليس بالضرورة أكاديمي و لكنه سيكون مناسبة مهمة للخروج من بعض الضبابية و الابتعاد عن الصخب و الشعاراتية و هي الإضافة التي يمكن أن يقدمها المدونون. يمكن مثلا لكل مدون أن يناقش ثلاث مسائل بأي طريقة يريدها. المسألة الأولى هي ببساطة: ماهوالشيئ أو ما هي الأشياء المشتركة بين أقطار "المغرب الكبير"؟ يبدو أن هذه المسألة البسيطة لا تحمل لدينا ضرورة إجابة بديهية مثلما كان واضحا من النقاش الذي أحاط باختيار شعار التدوينة ("مغرب عربي" أم "مغرب كبير"). المسألة الثانية: فيما نرغب بالتحديد؟ وحدة سياسية؟ سوق مشتركة و مسار مشابه لمسار الإتحاد الأوروبي (أي سوق مشتركة و اندماج اقتصادي طويل يسبق مسار سياسي آخر أكثر طولا)؟ أم طريق ثالث؟. المسألة الثالثة: في علاقة بالمسألة الثانية لماذا أي من هذه الطرق هو طريق عملي و ممكن التحقق في ظل الظروف السياسية و الثقافية و الإقتصادية الراهنة؟

ثانيا، أقترح أن نصدر "ميثاق المدون المغاربي" يؤكد على النقاط المشتركة العامة التي دفعتنا للقيام بهذه التدوينة و الأهم من ذلك التأكيد على أهمية التدوين في تقريب وجهات النظر المغاربية.

ثالثا، تنشيط المجمع التدويني المغاربي القائم أصلا و فتحه لكل المهتمين بكتابة تدوينات خاصة بـ"المغرب الكبير" بعد 1 جوان. طبعا يمكن تصدير "مثياق المدون المغاربي" بالإضافة للنصوص التي سيقع كتابتها يوم 1 جوان (بوصفها وثائق) في المجمع التدويني المغاربي.

هذه مجرد مقترحات سأكون في غاية السعادة لو ناقشناها بشكل أكثر تفصيلية قبل 1 جوان.

يظهرلي كثرلتها م التشقشيق... أيا أنتستم... و "الكفاح الثوري مستمر" كيفما يقولوا إخوانا الليبية
:))
Update
اكتشفت منذ قليل أن بيغ تراب بوي افتتح منتدى في الغرض و هي مبادرة عملية للغاية.


عدد التعاليق: 2





كتبت مقالا جديدا حول السياسة الإيرانية في موقع الجزيرة نت ركن المعرفة للتأكيد على الدور الرئيسي للعامل القومي فيها. طبعا هذا موضوع كتب فيه الكثيرون و لكن في مقالي أعتمد على معطى جديد لم يقع التحدث عنه في الأوساط الإعلامية العربية. يتعلق ذلك بوثيقة سرية مؤرخة في ماي سنة 2003 تم الكشف عنها في الولايات المتحدة بشكل نهائي في فيفري من هذا العام. صورة لهذه الوثيقة المهمة متوفرة على الرابط التالي.


بالمناسبة ما استفزني و دفعني دفعا للكتابة عن هذا الموضوع خبر رفض وزير الخارجية الإيراني الجلوس على طاولة العشاء مع كوندي رايس بتعلة وجود عازفة كمان أوكرانية متبرجة في القاعة. بدى لي ذلك تعبيرا في غاية التركيز على سياسة الوجهين لإيران: إدعاء العفة الكاملة في الوقت الذي يتم فيه التصرف بذرائعية ميكيافلية كاملة. من البديهي أن تكون أي دولة ميكيافلية، و هذا هو جوهر المقال فأنا لا ألوم الإيرانيين على ذلك، و لكن لا أستسيغ كل الشعاراتية الفارغة المقابلة لذلك و التي توهم الكثيرين بعفة مغشوشة للإيرانيين. عندما أقول ذلك أفكر تحديدا بالشيعة العرب الذين يضعون جل أوراقهم في السلة الإيرانية تحت شعار الوحدة المذهبية.


أمر آخر أود التأكيد عليه أيضا أن هناك نقاشا جديا في الولايات المتحدة حول هذه المسائل و ليس هناك صوت واحد كما يتبادر للذهن. و في هذه النقطة بالتحديد (أي ضرورة الحوار مع إيران و سوريا و القيام عموما بسياسة واقعية في المنطقة تعترف بخصوصياتها و لا تحاول فرض رؤية أحادية عليها) يقوم باحثون مثل فلنت ليفريت و "مؤسسة أمريكا الجديدة" بدور هام.


عدد التعاليق: 3




يمكن إعتبار بيل مويرز من أكثر الصحفيين التلفزيين الأمريكيين خبرة و تمرس. و هو يسجل الآن موقعه المميز من خلال سلسلة التقارير التي بدأ القيام بها منذ أشهر حول تدهور مستوى مهنية الإعلام في الولايات المتحدة كما تبين بشكل خاص عند المسار للحرب. يتم بث الحلقات على القناة العامة العريقة في الولايات المتحدة بي بي أس و التي أصبحت مغمورة في ظل رواج القنوات التجارية الإخبارية. يجب الإطلاع على هذه الحلقات خاصة بالنسبة لكل من لديه تصورات طوباوية سواءا في اتجاه وجود حرية إعلام مطلقة في أمريكا أو في اتجاه غيابها بشكل مطلق كما هو رائج في بعض منابر الخطاب الشعبوي العربي. هذا ببساطة برنامج يعكس لحظة تاريخية في الإعلام الأمريكي و تحديدا في تمثله لذاته. أتساءل إذا كان "برنامج تدريب الصحفيين الشرق أوسطيين" يوفر التعرف على تجارب مثل تجربة مويرز؟

يمكن مشاهدة جميع الحلقات من هذه السلسلة بجميع أجزائها الأربعة على موقع القناة.

كما يمكن مشاهدة برنامج موازي على نفس القناة خاص بالصحفي بيل مويرز.


لا يوجد أي تعليق


برز في أواخر صيف سنة 2005 موقع باسم "الداعية أم أنس"
(www. umanas. netfirms)
مجهول المصدر و هو موقع خارج الخدمة حاليا. تبين في النهاية أن صاحب الموقع كان يختلق فتاوي
غريبة للغاية لسبيل الفكاهة كان من أكثرها رواجا تحريم شيخ مجهول (ذكر البعض أن اسمه "عبد الله النجدي" و هو بالمناسبة اسم مستعمل من قبل "ناطق إعلامي" باسم أحد التنظيمات الإرهابية في الخليج) للعب كرة القدم بالقواعد المعمول بها دوليا لأن ذلك "تشبه بالكفار" على حد قوله (اقترح مثلا اللعب ببدل النوم عوض الشورت و المريول نص يد). بلغ رواج هذه الفتوى عبر منتديات سلفية (أعني تحديدا بلفظ السلفية هنا التيار الديني المهيمن في المملكة السعودية أو ما يطلق عليه تجاوزا الوهابية) و أخرى غير سلفية الى الحد الذي أصبحت فيه مصدرا لخبر تناقلته صحف خليجية ذات مهنية عالية (مثل صحيفة الوطن السعودية). في النهاية اضطرت هذه الصحف لإصدار تكذيب لنص الفتوى و الاعتذار لقرائها. و تكرر هذا اللبس في حالات أخرى مشابهة. بالمناسبة هناك شكوك بأن المبادر بـتأسيس هذا الموقع هو إما أطراف "ليبرالية" أو أطراف شيعية. و تبدو لي الفرضية الثانية أكثر مصداقية في ظل تصاعد الصراع الطائفي في المنطفة بشكل عام (يوجد موقع شيعي تحديدا يستشهد بشكل مركز و غير طبيعي بموقع "أم أنس").

المثير في الأمر أن هذه الفتاوى على غرابتها كانت تلقى رواجا داخل المنتديات و الأوساط السلفية بحيث كانت تحظى بالتصديق و الاهتمام. و هذا مؤشر في غاية الأهمية على أن هناك في الواقع شهية عالية للإفتاء الراديكالي يفسر في الواقع حالة الطوفان الراهنة للإفتاء. يرتبط ذلك بظاهرة تعميم حق الإفتاء و انزياحه خارج مؤسسة مشيخة الفتوى (هذه المؤسسة الفتية في التاريخ الإسلامي على كل حال حيث لم تصبح شاملة لأغلب الأقطار سوى في مع القرن الخامس عشر). و يبلغ إنفلات وظيفة الإفتاء هذه السنات الأخيرة حالاته القصوى مع انتشاره في الفضائيات و حتى عبر مواقع في النت لشيوخ معروفين و لكن أيضا لآخرين مغمورين أو حتى غير معروفين تماما كما هو الحال في الموقع الآتي.

و أصبح الإفتاء يتم بسهولة مثيرة منذ بداية التسعينات و وصل فعلا الى حالات هستيرية مثلما تم في المثال الجزائري أواسط التسعينات من خلال تكفير التنظيم الإرهابي الرئيسي (الجماعة الإسلامية المسلحة) الشعب الجزائري بأسره (بناء على فتوى لشيخ فلسطيني أردني معروف مقيم آنذاك في بريطانيا) و ما انجر على ذلك من مجازر لم من يعد في نهاية الأمر من الواضح من يقوم بها. و في حالة التنظيم الأخير كانت هناك ما يسمى بـ"الهيئة الشرعية" و التي كان عناصرها في أحسن الأحوال "شيوخ" في سن الثلاثين لا يمكن أن نطمئن بأي حال لخلفياتهم و مداركهم العقلية حتى ("أمراء" هذا التظيم الذين كانو بالكاد يفكون الخط و كانوا يعملون أعمال يدوية بسيطة قبل إلتحاقهم بهذا التنظيم و هذا أمر أساسي في تخيل كيفية تعيين أعضاء "الهيئة الشرعية"). و لم يكن من المستغرب في هذا الإطار أن يبادر هؤلاء الى إصدار فتاوى شديدة السطحية في نصيتها الى الحد الذي اصطدمت فيه حتى مع مصالحهم السياسية و هو ما تمظهر بانشقاقات كبيرة مع نهاية النسعينات (إندحار الجماعة إياها كان ناتج عن هذا المأزق التنظيري "الشرعي" و ما يعنيه من محدودية آفاق المسؤولين عنه من ضمن عوامل أخرى).

و بمعنى آخر فإن الفتاوى المختلقة أو "المكذوبة" (حسب إصطلاح شيوخ السلفية) ليست في نهاية المطاف شديدة الإختلاف في منطقها و بنائها اللغوي و منهج "استدلالها الشرعي" عن فتاوى حقيقية موجودة و معلنة. و لهذا كان القائم (أو القائمون) على موقع "أم أنس" يخلطون بذكاء فتاوى حقيقية بأخرى مختلقة و هو ما يظهر بجلاء، إثر الإطلاع عليها، درجة التشابه المثيرة بينها جميعا. و من بين النقاط الأساسية المشتركة هي مسألة تحريم "التشبه بالكفار" حيث تبدو هذه النقطة أساسية في الحكم في قضايا تفصيلية عديدة. لنأخذ بعض الأمثلة المؤكدة على هذا المنهج لفتاوى صادرة عن شيوخ سلفيين رئيسيين في مواقعهم الرسمية على النت أو فتاوى موجودة عبر مواقع مؤسسات ذات طابع رسمي و مؤثرة مثل "الرئاسة العامة للبحوث العلمية و الإفتاء".

- تحريماللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء إلصاق أو وضع الأعلام و الشعارات على السيارات و غير ذلك تحت عنوان "التشبه بالكفار فيما هو خصائصهم"
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaChapters.aspx?View=Page&PageID=10378&PageNo=1&BookID=3
- تحريم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء إتخاذ شارات مثل شارات الطيارين "مشابهة للكفار":
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaChapters.aspx?Type=Index3&IndexItemID=7616&SecItemHitID=8638&ind=7&indtype=1&View=Page&PageID=676&PageNo=1&BookID=1
- تحريم الشيخ بن باز للتصفيق
http://www.binbaz.org.sa/index.php?pg=mat&type=fatawa&id=54
- تحريم الشيخ العثيمين لتعلم اللغة الإنجليزية من قبل الناطقين بالعربية
http://www.islamweb.net/ver2/Fatwa/ShowFatwa.php?Option=FatwaId&lang=A&Id=69919
- تحريم الشيخ بن باز لحلق اللحية
http://www.binbaz.org.sa/index.php?pg=mat&type=fatawa&id=2021
- تحريم الشيخ بن باز لرعاية الآثار
http://www.binbaz.org.sa/index.php?pg=mat&type=article&id=560
- تحريم الإقامة في بلد "يظهر فيه الكفر" حتى بهدف التجارة أو العمل
http://www.binbaz.org.sa/index.php?pg=mat&type=fatawa&id=2166
- تحريم الشيخ العثيمين لباس ثوب الزفاف الأبيض "إذا كان فيه تشبه بالنصارى"
http://www.ibnothaimeen.com/all/noor/article_4768.shtml
- تحريم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء للبس النساء البنطلون (السروال)
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaChapters.aspx?View=Page&PageID=6422&PageNo=1&BookID=3
- تحريم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء للباس الطلبة للباس التخرج "الروب"
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaChapters.aspx?View=Page&PageID=9348&PageNo=1&BookID=3
-تحريم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء فتح "محلات الكوافير" (الحجامة):
http://www.alifta.com/Fatawa/FatawaChapters.aspx?View=Page&PageID=9347&PageNo=1&BookID=3

إن مجمل هذه الأمثلة يحيل على نقطة أساسية هي بمثابة المأزق لهذا "المنطق الشرعي" و هي أن أي شيئ لم يكن يقوم به المسلمون خلال حياة الرسول (صلعم) أي في النصف الأول للقرن السابع ميلادي هو في النهاية محرم خاصة إذا كان من يقوم به "الكفار". فغياب تحريمه لا يعني عدم ضرورة تحريمه. غيابه بالذات بغض النظر عن فائدته أو أهميته الإجتماعية الراهنة هو مدعاة لتحريمه. و على هذا الأساس فإن الفتوى "المكذوبة" حول كرة القدم المذكورة أعلاه منسجمة تماما في منطقها الشرعي مع الفتاوى "الضحيحة" المذكورة أعلاه.

للإجابة على السؤال الأولي (من المسؤول عن استسهال فتاوى التحريم؟) يمكن تقديم الإجابات الأولية التالية:
-مأسسة الإفتاء (عبر مؤسسة "شيخ الإسلام" و هو مسار بلغ أوجه مع الامبراطورية العثمانية) كان بالتأكيد له دور في إسباغ طابع إطلاقي على ممارسة لاطالما كانت ذات طابع فردي إجتهادي معزول عن سلطة الدولة (على الأقل حتى القرن الحادي عشر ميلادي عندما بدأت في إيران أولى مؤشرات مؤسسة "شيخ الإسلام"). حيث أن وضع طابع الدولة عليها منح للفتوى إمكانية الانزياح عن الحدود الاجتهادية البشرية و منحها طابعا شبه رباني (به تصبح "و الله أعلم" التي تختمها مجرد عبارة روتينية لا تعكس أهميتها الحقيقية و التي تذكرنا بنسبية "علم" واضع الفتوى).
- المنهج الإطلاقي المتباين حسب الشيوخ و المذاهب. و هنا يبدو المثال أعلاه نموذج جيد على كيفية إقامة معيير إطلاقية تنمط الفتوى حيث تجعلها فعلا ميكانيكيا معلوم النتائج و لكن في النهاية في مأزق حقيقي عند مطارحته على الممارسة العملية. و من هذه المدارس الإطلاقية تحديدا تظهر بسهولة ظاهرة "الشيوخ الشبان" أي الذين يفكون بالكاد الخط و ما يأتي بعد ذلك من "هيئات شرعية" تحدد تذهب بمنهج اعتاد الحسم في "الكوافير" و "الروب" الى مسائل مصيرية تقرر من له الحق في الحياة و من يجب أن يموت.

عدد التعاليق: 3




إخترت بداية (منذ فيفري 2005) أن أدون في اختصاصي الأكاديمي و بلغتي الأكاديمية. كانت تلك و لازالت تجربة مميزة سمحت لي التعرف على شبكات متوارية خلف الأكاديميا مهتمة بتاريخ الفن و الإسلام. لكن شيئا فشيئا استرجعت بعض الحنين للتعليق على الشأن العام و بلغتي الأم. منذ تحولت للدراسة في الولايات المتحدة قررت التركيز فقط على الشأن الأكاديمي. يرجع ذلك لأسباب عديدة ليس أقلها التجربة الشخصية المخيبة للأمال. و هي تجربة بدأت من دون إختياري—بنشأتي ضمن عائلة سياسية بامتياز. و لكنها ظرفية لا تستدعي التذمر على كل حال. حيث تعلقت بمسائل الشأن العام بمعزل عن الظروف المهيئة العائلية. كان التماس مع الموقع السياسي البارز لوالدي مناسبة مبكرة لتعلم "الصنعة" و لكن أيضا للتعرف الباكر على المسافة الضرورية بين السياسة و التفكير و التأمل. و كانت الرغبة الأبوية في ممارسة أبوية سياسية شديدة التواري ميزة إيجابية أساسية للوالد غير معتادة بالنسبة للعائلات السياسية منحتني مجالا غير متوقع للإختيار و حرية البحث و المغامرة الإيديولوجية.

مع حلول التسعينات إلتحقت بالدراسة الجامعية و بشكل مفاجئ تحولت أنا الشخص الخجول و الصامت عادة إلى ما يشبه "الزعيم الشعبوي" في زمن غير مناسب ليس للزعامة الطلابية الرومنسية فحسب بل للإنخراط الإحتجاجي في الشأن العام بالأساس. كانت تلك تجربة مثيرة أشعر أن الوقت قد حان للحديث عنها مع المسافة المناسبة للتفكر في تجربة لازالت حينية. سأفعل ذلك ربما في وقت لاحق مع الأسباب الأخرى التي أبعدتني عن الشأن العام. على كل تغيرت الزوايا التي أنظر من خلالها بشكل عميق منذ سنوات دراستي الأخيرة في تونس. ثم تشكلت لدي حساسية سياسية/فكرية أقل توترا في ظل ثلج فيلادلفيا الدافئ.

رجعت للانخراط في الشأن العام من خلال سلسلة من المقالات كان حافزها في البداية أكاديمي. و لكن بدون أي حسابات وجدت نفسي على خطوط التماس بين الشأنين العام و الأكاديمي. كان مقالي حول "خطاب البابا" في موقع "الجزيرة.نت" و ما حفت به من ردود أفعال دليلا متوقعا على عدم القدرة على الفصل المطمئن بين كتابة الإختصاص و كتابة الشأن العام. هذا ما دفعني أيضا للكتابة عن خلفيات "حرب الصيف" في ظل الإعلام ذي البعد الواحد و المصطف كما في معسكر قروسطي على "الكابل" الأمريكي. أخيرا أصبح التماس مع الشأن العام ملحا الى درجة تضمنه المستمر تقريبا في الشأن الأكاديمي ("حفريات القدس"، "الإسلام و العلمانية في تركيا"...).

هذه، في النهاية، بمثابة "عودة الإبن الباذخ"
The Return of the Prodigal Son
القصة التوراتية المشهورة. و لكن الأب في هذه الحالة هو الشأن السياسي العام.

ملاحظة حول الصورة: هذه أحد أشهر اللوحات التي جسدت موضوعة "عودة الإبن الباذخ". من رسم رمبراندت حوالي سنة 1669 و محفوظة في الهرميتاج في سانت بيترسبورغ. ذات مقاس كبير بحجم "اللوحات التاريخية" حيث ترواح 262 على 206 سم. أسلوب رمبراندت الدافئ في آخر حياته يلتقي مع تناول رومنسي محمل بعاطفية مكثفة يفارق الصيغة التبشيرية و التعليمية الجافة للقصة التوراتية.



عدد التعاليق: 1


من المفترض أن يأخذ العمل الصحفي طابعا فرديا و يتحدد بمبادرة الصحفي. سواء كان محتوى العمل الصحفي تقريرا إخباريا أم تحليلا فإنه يجب أن يحمل رؤية أو مجهودا ذاتيا. ينطبق ذلك على إختيار الموضوع و طريقة تناوله. أشعر أن هذه البديهيات في حاجة لإعادة التأكيد عندما أقرأ التقارير الصحفية التي تنشرها بعض الصحف التونسية حول الولايات المتحدة. ففي ظل رواج خطاب شعبوي تعميمي في غالبية الصحف يشيطن الولايات المتحدة يوجد في المقابل مجهود لا يقل تعميمية و تواضعا من الناحية المهنية يتمثل في الإنخراط في رحلات رسمية لصحفيين "شرق أوسطيين" للولايات المتحدة. حيث أنه أمام الصعوبات التي يواجهها المسؤولون الرسميون هنا إزاء الصورة المتدهورة ليس للإدارة الحالية فحسب بل أيضا للولايات المتحدة ذاتها تم إعادة تنشيط برامج لـ"تدريب صحفيين شرق أوسطيين" في الولايات المتحدة و هو ما يضمن في أقل الأحوال صدور تقارير ذات بعد واحد لا تعبر عن روح التقرير الصحفي الجاد و المؤثر. طبعا يتم ذلك عوض إعادة تقييم السياسة الواقعية و التي تمثل خلفية التصادة و غياب الثقة الراهن و التي على أساسها يقوم المتطرفون من القاعدة بتحويلها الى خطاب كره عام يجد له صدى حتى لدى آذان لا تؤمن بمشروعهم المجتمعي.

أليس من العملي بالنسبة لجميع الأطراف أن يتم الاستعاضة عن رحلات الترفيه و الدعاية هذه و دعوة الصحف "الشرق أسطية" بتشجيع إنتداب مراسلين يقيمون في الولايات المتحدة من أصول عربية (مثلا من بين الذين يقومون بالدراسة في كليات إعلام أمريكية و يطمحون بالتالي في البروز) يقومون بتقارير أكثر مهنية و لا تختص فحسب بالجانب السياسي يتم تشجيعها غبر صيغ غير حكومية؟

فيما يلي مثال على التقارير الصحفية السمجة و التي تأتي في إطار "برامج التدريب":

السبت 5 ماي 2007«الصباح»
في ولاية أريزونا الأمريكية:صحراء على مشارف المكسيك تلفت نظر السياحتقديــرات بوجـــود 12 مليون مهاجـــــر ســري في أمريكا جلهم يتسربون من الحدود المكسيكيةمراكز لرعاية الأطفال الجانحين والمتشردين والوقاية من الجريمة

من مبعوثتنا الخاصة:سعيدة بوهلال

أريزونا ـ الصباححينما أقلعت بنا الطائرة من مطار سيراكيوس بنيويورك في اتجاه أريزونا لم نكن نتوقع أن تكون هذه الولاية الصحراوية على تلك الصورة.. وقبل انطلاق الرحلة قلت للدليل المرافق لنا «تمنيت زيارة نيويورك ومشاهدة ناطحات السحاب.. وتمنيت أيضا الذهاب إلى هوليود والتقاء المشاهير.. لكن لسوء الحظ فقد تضمن البرنامج، الذي أشارك فيه رفقة عدد من الصحفيين من تونس والجزائر والمغرب ومريطانيا، زيارة إلى الصحراء.. قلت له إنني أعرف الكثير عن الصحراء ومناخها خاصة حينما ترتفع درجات الحرارة»..لكن الدليل وهو من أصل سينيغالي ويدعى عبدو لطيف طمأنني بأن الصحاري لا تشبه بعضها البعض.. وقال لي «ستذهبين وستستمتعين وستندهشين خاصة وقد نظمنا لكم زيارة إلى وادي قرون كانيون»..أجبته مازحة: «صحراء.. ووادي.. فهل من مزيد»؟فقال ضاحكا «ستذهبون إلى منطقة كوين كريك وستشاهدون وجها آخر للولايات المتحدة الامريكية ولن أشوقك أكثر».. وفي ولاية أريزونا الواقعة جنوب غرب الولايات المتحدة الامريكية على الحدود مع دولة المكسيك كان مقامنا في العاصمة فينيكس.. والخضرة التي كانت عليها هذه المدينة والورود التي تغطي ساحاتها وشوارعها وحدائق منازلها والظلال التي تجدها حيثما حللت تجعلك تشك للحظة أنك في قلب الصحراء ولكن غابات النخيل والاعشاب الصحراوية التي ألفتها عيوننا أكدت لنا أننا بالفعل في صحراء..ويذكر أن اسم ولاية أريزونا يعود إلى الكلمة الهندية اريزوناك وهي تعنى الربيع الغض بلهجة قبائل الهنود الحمر.وتشتهر أريزونا بكونها مستقرا للهنود الحمر ويوجد فيها أمريكيون عرب ومسلمون ومن أشهر المساجد هناك المركز الاسلامي بفينكس ويحد ها شرقا ولاية نيو مكسيكو وغربآ ولاية كاليفورنيا وشمالا ولايتى يوتا ونيفادا بينما يحدها جنوبآ المكسيك وتتكون من عدة مقاطعات وتبلغ مساحتها الكلية 294,315كم وتحتوى على نهر كولورادو الذي يشق وادي قرون كانيون وهو من أهم معالم الولاية.وعن تاريخها يقال إن القس الاسبانى ماركوس دو نيزا هو أول أوروبى اكتشفها وقد دخلها بحثآ عن المدن المليئة بالذهب الواردة فى الاساطير.. وفى عام 1775 أسس الاسبان حصن تكسان واصبحت جل أراضى أريزونا ملك للحكومة الامريكية عام 1848 وذلك بعد حرب المكسيك وانضمت بقية أراضى أريزونا إلى الولايات المتحدة بواسطة اتفاقية عام 1853.وحسب إحصائية عام2004 يبلغ عدد سكان أريزونا أكثر من خمسة مليون نسمه وتبلغ نسبة البيض 55,5% والامريكيين الافارقة3,1% والاسيويين1,8% والهنود الحمر 5% ونجد 11,6% من أجناس أخرى و25,3% من أصول لاتينيه.مدينة فينيكسفي مدينة فينيكس عاصمة الولاية التقينا عدد من المسؤولين الامريكيين الذين حدثونا عن مدينتهم التي يبلغ عدد سكانها أكثر من مليون ونصف ويتوسطها مطار عملاق يؤمن نحو 130 ألف سفرة في العام نظرا لان المنطقة أضحت في وقت قصير وجهة رجال الاعمال والطلبة من مختلف أصقاع الدنيا فهي تحتوي على المصانع والمؤسسات الصغرى والمتوسطة المنشأة عن طريق آلية شبيهة بما هو الحال في تونس وتحتوي أيضا على الكثير من المؤسسات الجامعية التي يؤمها ما يزيد عن 280 ألف طالب.. وتعتبر ولاية أريزونا ولاية جامعية فهي تحتوي على «جامعة أريزونا الحكومية» وقد تأسست عام 1885 وبها أكثر من خمسين ألف طالب وتقع في مدينة تمب وهي من اكبر الجامعات في الولايات المتحدة من حيث عدد الطلبة وهناك جامعة أريزونا بمدينة توسون قرب الحدود المكسيكية، ومركز دراسات الشرق الاوسط. وجامعة ابولو فى مدينة فينيكس التي نمت وتطورت بسرعة أذهلت الامريكيين أنفسهم لانها كانت بعد الحرب العالمية الثانية مدينة صغيرة جدا..الوجه الاخرلكن إلى جانب مشاهد الرياض الغناء الوارفة وإلى جانب مرأى المنازل الفاخرة والمركبات التجارية الضخمة والفنادق والحانات والمراقص الصاخبة يعترض سبيل زائر فينيكس مشردون وفقراء.. ففي هذه المدينة تم احصاء بين 7 و10 آلاف دون مأوى وتقول سيدة تدير مركز الرعاية الفئات المحتاجة والاطفال المهددين والجانحين: أنا لاحظت خلال السنوات العشر الاخيرة ارتفاعا كبيرا في عدد المشردين الذين يقيمون في الشوارع وأن هناك قرابة السبعمائة طفل ينامون ليلا في الشارع جلهم من المكسيك..وفي زيارة أجرتها «الصباح» إلى مركز لرعاية الاطفال المشردين التقينا عددا من المشرفين على هذا المركز الذين أفادونا بأنهم يتقبلون الاطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم الخمس سنوات وجلهم لا يتقنون اللغة الانقليزية لذلك يقع التركيز خلال السنوات الاولى على تعليمهم هذه اللغة لتيسير اندماجهم.. كما يتقبل المركز عائلات الاطفال ويتحدث معهم عن مشاكلهم ومشاغلهم ويسعى إلى إيجاد مواطن شغل للاباء لكي يتمكنوا من إعالة أبنائهم..وحسب ما لاحظناه خلال إقامتنا بفينيكس أن مشكلة الهجرة السرية من المكسيك إلى أريزونا تتفاقم يوما بعد آخر وتنجم عنها الكثير من المشاكل.وحول معضلة الهجرة السرية حدثنا مسؤولون بمدينة كوين كريك بأريزونا وقالوا إنه لا توجد إحصائيات دقيقة في هذا الشأن لكن التقديرات تشير إلى وجود نحو 12 مليون مهاجر سري في كامل تراب الولايات المتحدة الامريكية وبينوا أن المهاجرين لا يمثلون جميعهم خطرا على أمن البلاد والناس بل هناك فئة منهم ينفذون إلى البلاد عن طريق المكسيك أو كندا للعمل ولتوفير المال لاعالة أسرهم لكن هناك آخرون ينضمون إلى عصابات خطيرة ويمثلون مصدر إزعاج.. وقالوا إن المهاجر السري لا يعتبر مواطنا أمريكيا ولكنه إذا أنجب طفلا هناك فإن ابنه يعتبر أمريكيا..وعن كيفية الوقاية من ظاهرة الهجرة السرية أفادنا «شريف» وهي تسمية للشرطة البلدية أنهم لا يقومون باقتحام المطاعم والمقاهي بحثا عن المهاجرين السريين وإخراجهم من البلاد لكن هناك قوانين تنظم عمليات التشغيل وفي صورة ما إذا يعمد صاحب مطعم أو حانة تشغيل مهاجر غير شرعي فإنه يتكبد خطية مالية كبيرة..وتجدر الاشارة إلى أنه خلال جولاتنا بشوارع المدينة تعرضنا بين الحين والاخر عدد من المهاجرين السريين وهم قابعون قرب محطة نقل عمومي حيث يعرف الجميع أنهم ينتظرون من سيأتي ليطلب منهم خدمة بمقابل ويكون ذلك خاصة في قطاع البناء والطلاء.أما لقائي بالهنود الحمر فإنه لم يخل من الطرائف.. إذ بمجرد مسكي آلة التصوير لكي ألتقط صورا للتحف الجميلة المعروضة بأحد المتاجر حتى قفزت صاحبة المحل مسرعة نحوي وهي تصرخ بصوت يصم الاذان وهي تردد كلمات لم أتبينها وحينما شعرت بانزعاجي وعرفت أنني لم أقصد الاساءة هدأت من روعها واستقبلتني بحفاوة ونبهتني أن التصوير ممنوع لانها تخشى من تقليد بضاعتها.. وبعد ذلك كانت لنا لقاءات أخرى مع الهنود الحمر الذين يقطنون في مقاطعة قريبة من حدود المكسيك وهناك يمارسون الكثير من المهن التقليدية ويجلبون إليهم بتحفهم ومنسوجاتهم العجيبة الكثير من السياح..وخلال زيارتنا إلى قرون كانيون هذا النهر العظيم أمكننا مقابلة بعضهم في أحد المركبات التجارية وتناول وجبة هندية مختلفة عن المألوف واقتناء بعض الهدايا التذكارية منهم لكنهم كانوا قليلي الكلام سريعي الحركة يرفضون رفضا قاطعا التقاط الصور لهم أو لمعروضاتهم

لا يوجد أي تعليق





قرأت كثيرا لماركيز. في سن مبكرة و لكن حتى الآن. قرأت له بثلاث لغات إلا لغته الأصلية. رغم سهولة الإسبانية فإني لم أقدر حتى الآن أن أجد سببا قويا يجعلني أتعلمها بجدية. على كل. ماركيز كاتب أسطوري يقف على نفس المرتبة مع تشيخوف و تولستوي و كونديرا. طبعا لكل أسلوبه. و أسلوب ماركيز من الكوميديا السوداء قريب جدا من قلبي لسبب أساسي و هو تعبيره عن مجتمعات بعينها أحسب مجتمعي الأصلي من ضمنها. و المثير أن تجارب تعريب روايات ماركيز هي في المجمل ناجحة. و لا أعتقد أن ذلك يرجع لتميز المعربين بل الى خاصية أخرى: تحمل نص ماركيز من حيث مخياله الخصب و لهجته الحادة لاستعدادات (و ليس ضرورة واقع) الخطاب العربي. بهذا المعنى تصبح النصوص المعربة مدخلا ليس لتحوير النص الإسباني بل إلى التأثير على النص العربي بالكشف عن أساليب حكي و لغة غير متوقعة من داخل العربية.

هذه فقرة وجدتها على النت مقتطفة من أفضل روايات ماركيز السياسية "خريف البطريق".

"قرر أن يكون هذا آخر تعذيب يمارسه نظامه، فُقتلت التماسيح، وفككت غرف التعذيب، حيث كان من الممكن هرس كل العظام الواحد تلو الآخر بدون قتل الضحية، وأعلن العفو العام، وشرع في تهيئة المستقبل بفضل فكرة سحرية: كل مشاكل هذا البلد متأتية من أن الّناس لهم الكثير من الوقت للتفكير، فوقع البحث عما يمكن أن يشغلهم. رد الاعتبار إلى ألعاب شهر مارس للزهور، وكذلك للمسابقات السنوية لملكات الجمال. و أسس أكبر ملعب لكرة القدم في منطقة الكراييب، وأُجبر فريقنا على تحقيق الشعار التالي : الانتصار أو الموت. وأعطيت الأوامر لتأسيس مدرسة مجانية للكنس في كلّ ولاية، دأب طلبتها، وقد حمستهم التشجيعات الرئاسية، على كنس الشوارع بعد أن فرغوا من كنس البيوت، وبعد ذلك الطرق الفرعية والأزّقة، بحيث باتت أكداس القمامة تسحب وتنقل من ولاية إلى أخرى من دون أن يعرف أحد كيف يمكن التخلص منها. كانت هذه العملية تتم في شكل مواكب رسمية ترفرف فوقها أعلام الوطن ولافتات كبرى: الله يحفظ أنقى الخلق، هذا الذي يسهر على نظافة الأمة. في حين كان هذا الفظ المنغمس في الّتفكير يجر رجليه البطيئتين، باحثا عن أساليب جديدة لإلهاء السكان المدنيين , كان يشق طريقا بين المجذومين والعميان والمشلولين الذين يتضرعون عنده حتى يناولهم ملح العافية، مباركا باسمه في نافورة الباحة أولاد محمييه وسط و المتزّلفين الفاقدين للحياء واّلذين أعلنوه أوحد"


عدد التعاليق: 6


كان النوم، بالنسبة لي، مسارا صعبا على الدوام. ربما سبب ذلك الندم على مرور يوم من دون الإقتناع بأنه يوم يستحق النوم. عموما كانت الحياة الليلية بالنسبة لي حلا وسطا. أصبحت هواية منذ عشر سنوات. لكنها تحولت الى نوع من التقليد منذ مجيئي للولايات المتحدة. في البداية لم يكن من الممكن النوم قبل الساعة الثانية صباحا. ثم ببساطة لم يعد ممكنا النوم قبل بداية يوم جديد. و لأني لا أستطيع تصريف يومي بشكل عادي بدون النوم لثماني ساعات في أقل الأحوال كان ذلك يعني في البداية إلغاء أية إرتباطات تسبق الساعة الثانية عشر ظهرا. لكن منذ سنوات قليلة أصبح يومي يبتدئ تحديدا متى كان من المتفرض أن ينتهي.

إخترت أن أسمي مدونتي التي أحررها بلغتي الأم "أفكار ليلية" لأنه الوقت الذي أكتب فيه. عدى ذلك فأنا لا أستطيع سوى المشاهدة. أحيانا أتعلل بمقولة جامعي معروف كان لا يخفي فخره بكسله: "لا يحتاج المرء"، كان يردد، " أن يكتب أو يعمل لساعات طويلة... يكفي التركيز لساعتين في اليوم". من الواضح أن تلك كذبة منمقة لا غير.

عندما جئت الى هنا كان كل شيئ متلائما مع "الحياة الليلية" على العكس تحديدا من كل محبطات "الحياة الليلية" في تونس حيث ينام كل شئء باكرا بما ذلك الليل ذاته. إكتشفت هنا و بشكل مبكر أمرا رائعا: "مجتمع الحياة الليلية" أوسع بكثير مما كنت أتصور و أنني لست بأي حال أنتمي لـ"طائفة شاذة". شعرت تحديدا بكونية "الحياة الليلية" و تقاليدها العريقة و الاحترام الذي يسبغها عليها "العارفون بالأمور"... و اكتشفت، باختصار، أنها صيغة عادية في الحياة اليومية.

في السابق كنت أطمئن نفسي بشيئ مشابه للحكايات الأسطورية: ألم يكن تعريف التأسيس الفلسفي مشابها لمسار الوحي الليلي؟ أليس الوحي تحديدا.. ليلي... أو في أقل الأحوال يحتاج للظلمة؟ ألم يكن ماو تسي تونغ و فوكو كائنات ليلية؟ كان ذلك تشريعا أسطوريا لحالة تبدو لي غير عادية. في رادس، حيث قضيت الجزء الأكبر من حياتي، ينام كل شيئ باكرا. لكن شيئا فشيئا (منذ أواسط التسعينات) بدأت تظهر حالة جديدة: المقاهي الليلية التي لا تنام. كان ذلك إبداعا لامس الشبقية. إنضممت لمجتمع صغير من مريدي مقاهي ما بعد منتصف الليل يدخنون الشيشة بصمت على خلفية أشرطة كاسيت تردد بالكاد هذه الأغنية أو تلك لأم كلثوم. كم أحن الى تلك الفترة البوهيمية! تغيرت الأمور الآن حسبما فهمت و أصبحت المقاهي الليلية أمرا معتادا في "عموم تراب الجمهورية".

و لكن بمجيئي هنا بداية القرن الجديد اكتشفت سطوة الكائن الليلي. و حضوره العادي.
a mainstream entity

مثلا اكتشفت "المؤسسة الثقافية" التلفزية
The Late Night Show
و التي تبدأ في شكل متزامن على القنوات الأساسية منذ الساعة الحادية عشر ليلا (أو الحادية عشر و
النصف في أغلب الأحيان). مجرد التفكير في إقامة برامج أساسية وسط الأسبوع (أي خلال "أيام العمل") لبرامج تلفزية شعبية هو في ذاته أكبر تحقق لذات الكائن الليلي.

عدد التعاليق: 4


طارق الكحلاوي
نشأ طارق في أحد مدن الضواحي مدينة رادس الواقعة في الجمهورية التونسية. يشغل الآن موقع أستاذ في جامعة روتغرز (قسمي التاريخ و تاريخ الفن). تلقى طارق تكوينه الجامعي في جامعة تونس (كلية 9 أفريل، إجازة و دراسات معمقة في التاريخ و الآثار) و جامعة بنسلفانيا (رسالة دكتوارة في تاريخ الفن). و يعلق بانتظام على القضايا و الاوضاع العربية باللغتين العربية و الانجليزية في مواقع و صحف مثل "الجزيرة.نت" و "القدس العربي" و "الحياة" و "العرب نيوز" و "ميدل إيست أونلاين"، و يكتب عمودا أسبوعيا في جريدة "العرب" القطرية. يكتب أيضا في قضايا ثقافية و نظرية تخص الاسلام المعاصر في المجلة البيروتية "الآداب". و تمت استضافته للتعليق في قناة "الجزيرة الفضائية" و قناة 13 "بي بي أس" (نيويورك).

Tarek Kahlaoui
Tarek grew up in the suburban city of Rades in Tunisia. He is currently an Assistant Professor at Rutgers University (a joint position in the Art History and History departments). Tarek graduated from the University of Tunis (Bach. and DEA in history and archeology) and University of Pennsylvania (Ph.D. in history of art). Tarek also comments regularly in Arabic and English on Middle Eastern issues and politics in Aljazeera.net, Al-Quds Al-Arabi, Al-Hayat, Arab News, and Middle East Online, and writes a weekly column for the Qatari newspaper Al-Arab. He also writes on intellectual and theoretical issues related to contemporary Islam in the Lebanese magazine Al-Adab. He was also invited to comment in Al-Jazeera Channel, and in Channel 13 (PBS-New York).